لوقا 18: 35 – أعمى أم أعميان؟

اعتراض على لوقا 18: 35 – أعمى أم أعميان؟

وللرد نقول: العبارات الواردة في البشائر الثلاث عن شفاء المسيح أعميي أريحا في سفرته الأخيرة إلى أورشليم تبدو لأول وهلة أنها غير متفقة في بعض التفاصيل. فبحسب ما جاء في متى شفى المسيح الأعميين عند خروجه من المدينة، أما مرقس فيذكر أعمى واحداً اسمه بارتيماوس، ويقول أيضاً إن المسيح شفاه وهو خارج من المدينة. أما لوقا فيروي أن المعجزة حصلت عند اقتراب المسيح من المدينة. وهو أيضاً يتكلم عن شفاء أعمى واحد. ولكن الحقيقة أنه لا تناقض ولا اختلاف، فقول متى بشفاء أعميين، بينما مرقس ولوقا يقولان بشفاء أعمى واحد، لا ينشئ صعوبة في القضية، فهما قولان غير متناقضين، كما تقول: »اليوم نزل بَرَد« ثم تقول: »اليوم نزل مطر وبَرَد«. فقد نزل المطر والبرَد، ولكنك ذكرت أحدهما مرة، ثم ذكرتهما معاً مرة أخرى. كل ما في الأمر أن إحدى العبارتين أوفى من الأخرى. فيتضح إذن أن المسيح شفى في أريحا أعميين على الأقل، ذكر مرقس منهما اسم الأعمى الذي يتكلم عن شفائه، الأمر الذي يحمل على الاستنتاج أن بارتيماوس هذا عاش جملة سنين بعد شفائه وكان معروفاً للمسيحيين الأُوَل، ولذا كان ذكر اسمه أمراً طبيعياً.

ولكن كيف يمكننا التوفيق بين قول لوقا إن المعجزة حصلت عند اقتراب المسيح من المدينة، وقول متى ومرقس إنها حصلت عند خروجه منها؟ من المحتمل أن يكون المسيح شفى ثلاثة عميان في أريحا، فشفى أعمى واحداً عند اقترابه منها، ثم شفى أعميين آخرين عند خروجه. ويكون أن لوقا أورد معجزة غير التي كتب عنها متى ومرقس، ويكون قد شفى ثلاثة عميان في أريحا. وقد جاء في يوحنا 20: 30 أن المسيح عمل معجزات لم تُدوَّن. ويوجد حل آخر قد حاز قبولاً لدى كثيرين – لوقا 18: 35 يقول »لما اقترب من أريحا كان أعمى جالساً على الطريق يستعطي«  فيُرجَّح أن بارتيماوس هو الذي كان جالساً يستعطي. فرواية لوقا لا تفيد حتماً أن المعجزة تمت قبل دخول المسيح المدينة. فلو لم يكن لدينا إلا ما جاء في لوقا، لَجازَ لنا أن نستنتج هكذا. أما وقد جاء في متى ومرقس ما يُظهر أن المعجزة تمت عند خروج المسيح من المدينة، فعلينا إذن أن ننظر في القضية نظراً دقيقاً، فنرى أن رواية لوقا لا تنفي إمكانية حصول الشفاء بعد دخول المسيح المدينة أو عند خروجه منها، لأن لوقا يفيد فقط أن الأعمى كان جالساً يستعطي عندما اقترب المسيح من المدينة، ولا يقول صريحاً إن الشفاء تم في تلك اللحظة عينها، أي قبل دخول المسيح المدينة. نعم إن لوقا يذكر الشفاء قبل أن يذكر اجتياز المسيح إلى أريحا وخروجه منها. وهو إذ يذكر اسم الأعمى يشير إلى شفائه، مع أن هذا حصل بعد حين (أي عند خروج المسيح من المدينة) . فمن المحتمل أن بارتيماوس اجتاز مع الجمع إلى أريحا عند دخول المسيح إليها، ثم انضم إليه أعمى آخر وصرخا معاً إلى المسيح. وكثيراً ما نجد في الكتب التاريخية حوادث يسبق ترتيب تفصيلاتها موضعه الأصلي، كما نرى في هذه القضية. ويؤيد هذا ما جاء في لوقا 3: 19-23 حيث نرى أن لوقا يتكلم عن سَجْن يوحنا ثم يتكلم بعد هذا على معمودية المسيح التي حصلت قبل سجن يوحنا. وأمامنا حل آخر أتى به بعض مشاهير المفسرين – وهو أن متى أورد خلاصة ما حصل في أريحا. وبدلاً من أن يقول إن المسيح شفى أعمى عند دخوله إلى المدينة، وشفى أعمى آخر عند خروجه منها، اقتصر على ذكر شفاء أعميين كانا جالسَيْن على جانب الطريق، لأنه لم ير لزوم إيراد زمان ومكان المعجزة بالتفصيل. وهذا الحل يلاشي التناقض الظاهري.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات