٢ – إني اعترض لماذا لم يظهر السيد المسيح إلا لعدد قليل ؟

قال المعترض : [جاء في (أعمال الرسل32:2) إن المسيح ظهر بعد قيامته ليس لكل اليهود، بل لتلاميذ الذين سبق أن اختارهم. وهذا ما يبعث الشك في خبر قيامته من الأموات، لأنه لو كان قد قام فعلاً، لأظهر نفسه لكل اليهود حتى يؤمنوا جميعاً أنه قام].

التعليق :
(أ) إن اليهود برفضهم للمسيح (يو11:1) وصلبهم إياه، قد رفضهم الرب. كما حكموا على أنفسهم أنهم لا يستحقون أن يروا المسيح بعد، إلا وهو ملك يقضى على الأشرار منهم ومن غيرهم من الشعوب كما أعلن لهم من قبل (متى39:23). فضلاً عن ذلك فإن المسيح لم يكن من شأنه أن يرغم البشر على الإيمان به بواسطة معجزة يبهر بها عقولهم ويقهرها لسلطانه، لأن هذا العمل، بالإضافة إلى أنه لا يتفق مع كماله أو مع حرية الفكر التي جبل البشر عليها، فإنه لم يكن ليغير شيئاً من نفوس اليهود، لأنهم كانوا قد أصروا على رفض الحق بكل وسيلة من الوسائل.
كما أنه لو كان قد ظهر لهم بعد قيامته، لكانوا بسبب كرههم الشديد له، قد قالوا إن به شيطاناً كما كانوا يقولون من قبل، عندما كان يأتي المعجزات الباهرة أمامهم (مت24:12).

 

وتبعاً لذلك ما كانوا يستقبلونه بالحب والإكرام، بل بالغيظ والحنق المنبعثين من الارتعاب أمام قدرته. ولو فرضنا جدلاً أنهم لم يقابلوه بهذه المقابلة، لما استطاعوا أن يؤمنوا به إيماناً حقيقياً، لأن العامل الأساسي في هذا الإيمان ليس رؤية المسيح قائماً من بين الأموات، بل هو الإخلاص للحق. وهذا الإخلاص لم يكن له أثر في نفوسهم. والدليل على ذلك أنهم رفضوا الإيمان بالمسيح على الرغم من المعجزات الكثيرة التي تثبت شخصيته. وقد أشار، له المجد، من قبل إلى هذه الحقيقة بإشارة عامة فقال عنهم : النور (أي شخصه)( إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. يو19:3)، كما قال عنهم أيضاً 31فَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ». (لو31:16).

(ب) لذلك كان من البديهي أن يظهر السيد المسيح بعد قيامته لتلاميذه وللمؤمنين به فحسب، إذ فضلا” عن أن هذين الفريقين كانا أعرف الناس بشخصيته وأقدرهم على التحقيق منها، فإن عدد كل فريق منهما كان كافياً جداً لإثبات حقيقة قيامته. فالتلاميذ كانوا أحد عشر، والمؤمنون كانوا خمسمائة. فإذا أضفنا إلى ما تقدم أن الذين آمنوا بالمسيح بعد ذلك بواسطة رسله، لم يروا شخصه بأنفسهم – لأنه كان يكفيهم أن يتلقوا خبر قيامته خبر قيامته من شهود عيان تؤيد شهادتهم نبوات العهد القديم من جهة، والمعجزات التي أجراها الرسل باسم السيد المسيح المقام إثباتاً لحقيقة قيامته من جهة أخري (أع15:3-16 ، 9:4-10) – اتضح لنا أن الدعوى التي نبحثها لا مجال لها على الإطلاق.

 

خطأ النسوة في معرفة القبر الذي دفن فيه السيد المسيح :
قال المعترض : إن النسوة كن في حالة من الحزن والبكاء فيما يتمكن من معرفة القبر الذي دفن فيه السيد المسيح، وإذا لم يكن القبر الذي ذهبن إليه هو ذات قبر يوسف الرامي الذي دفن به المسيح فإن القضية تكون انهارت من أساساتها.

التعليق :
1 – إن النسوة (المريمات) كن يعرفن المكان الصحيح للقبر، فقد كن شاهدات عيان لعملية الدفن، ويعلن الكتاب المقدس ذلك بكل وضوح، ففي (مت59:27-61) 59فَأَخَذَ يُوسُفُ الْجَسَدَ وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ، 60وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ الْجَدِيدِ الَّذِي كَانَ قَدْ نَحَتَهُ فِي الصَّخْرَةِ، ثُمَّ دَحْرَجَ حَجَرًا كَبِيرًا عَلَى بَاب الْقَبْرِ وَمَضَى. 61وَكَانَتْ هُنَاكَ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى جَالِسَتَيْنِ تُجَاهَ الْقَبْرِ وفي (مر46:15-47) 46فَاشْتَرَى كَتَّانًا، فَأَنْزَلَهُ وَكَفَّنَهُ بِالْكَتَّانِ، وَوَضَعَهُ فِي قَبْرٍ كَانَ مَنْحُوتًا فِي صَخْرَةٍ، وَدَحْرَجَ حَجَرًا عَلَى بَابِ الْقَبْرِ. 47وَكَانَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يُوسِي تَنْظُرَانِ أَيْنَ وُضِعَ. وفي (لو55:23) 55وَتَبِعَتْهُ نِسَاءٌ كُنَّ قَدْ أَتَيْنَ مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ، وَنَظَرْنَ الْقَبْرَ وَكَيْفَ وُضِعَ جَسَدُهُ.
فالمريمات راقبن عملية الدفن، وعرفن مكان القبر وقد تأكدن من ذلك لأنهن كن قد عزمن على العودة مرة أخرى بعد السبت لوضع الحنوط والأطياب الإضافية على الجثة (مر1:16 ، لو56:23) حيث يعلن . 56فَرَجَعْنَ وَأَعْدَدْنَ حَنُوطًا وَأَطْيَابًا.

2 – إن عدد المريمات يدحض هذا الادعاء، فلم تكن امرأة واحدة حتى يكون احتمال الخطأ قائم، ولكنهن أكثر من ذلك (ثلاثة) فلو ضلت الطريق إحداهن وأخطأت في معرفة القبر لاستطاعت الأخريات أن يصلحن خطأها. وليس من السهل القول بجواز الخطأ على كلهن.

3 – إن الوقت الذي وصلت فيه المريمات إلى القبر ينفي احتمال الخطأ، وإن كن قد خرجن عند الفجر والظلام باق (يو1:20 ، مت1:28 ، لو1:24)، إلا إنهن وصلن القبر والشمس قد أشرقت وأضاء نور الصباح (مر2:16)، ولذلك فمعرفة القبر أمر سهل واحتمال الخطأ غير قائم لمن سبق ورأين وعرفن هذا المكان جيداً

4 – إن الضربة القاضية لهذا الادعاء هي أن السيد المسيح (*) قد دفن في قبر خاص، في بستان خاص بيوسف الرامي، أي أن هذا المكان ليس مقبرة عامة، فيها كثير من القبور حتى يكون هناك أمكانية للخطأ، بل قبراً واحداً. فمن أين جاء القبر الآخر حتى تخطئ المريمات في معرفة القبر الأصلي ؟..

5 – إن عقيدة قيامة المسيح لم تُبن على ما قالت به المريمات، أو على الرسالة التي حملتها المجدلية : (أن جسد المسيح غير موضوع في القبر)، وعند ذلك ذهب بطرس ويوحنا وتأكدا من قيامة المسيح من الطريقة
(*) قيامة المسيح حقيقة أم خدعة. د. فريز صموئيل.
التي رتبت بها الأكفان. فهل ذهب بطرس ويوحنا إلى قبر أخر ؟ مما لا شك فيه أن هذا القبر الخطأ لا يوجد إلا في مخيلة مثيري هذا الادعاء.

6 – إن رؤساء الكهنة الذين راقبوا دفن السيد المسيح بأنفسهم، وختموا القبر بخاتمهم (مت26:27) ووضعوا الحراس بعد ذلك، لابد أنهم كانوا يعرفون موضعه حق المعرفة، ولابد أنهم ذهبوا إليه على أثر سماعهم بخبر قيامة السيد المسيح للتحقق من صدقه، لأن هذا الخبر كان يزعجهم كثيراً. ولو كانوا قد عثروا على جسد المسيح، لكانوا قد أظهروه للوالي وللتلاميذ ولليهود جميعاً، ولكان خبر قيامة المسيح من الأموات قد اندثر تماماً. فلو أن النسوة ذهبن للقبر الخطأ، فلماذا لم يذهب رجال السنهدريم للقبر الصحيح ليعلنوا للملأ كذب فكرة القيامة ؟ أم أن رؤساء الكهنة قد ذهبوا للقبر الخطأ كما فعلت النسوة ؟. وإذا كان الكل فد ذهبوا إلى القبر الخطأ، فلماذا لم يصلح يوسف الرامي الأمور ؟ لقد كان يعرف قبره ..
مما لا شك فيه أن هذا الادعاء كاذب نتج عن عدم إيمان يحاول أن يبرر ما قد قرره.
وعلى فرض أن السيد المسيح قد دفن في مقبرة عامة، فإنه من السهل جداً معرفة قبر المسيح، لأنه القبر الوحيد الذي توجد عليه آثار الأختام مع شمع أو صلصال.

 

إني اعترض الرب يرفع المسيح دون أن يموت فأين القيامة ؟
يقول المعترض : (جاء في يوحنا10:16) إن المسيح قال لتلاميذه قبل حادثة الصلب لأنى ذاهب إلى أبى ولا ترونني أيضاً، أي أن الرب سيرفعه إليه دون أن يموت. بينما جاء في (يوحنا21،20) أنهم رأوه بعد قيامته.

التعليق :
من الخطأ تفسير آية بالاستقلال عن الآيات المقترنة بها، بل يجب تفسيرها بالاقتران مع هذه الآيات. فبعد الآية الأولى قال السيد المسيح لتلاميذه . 16بَعْدَ قَلِيل لاَ تُبْصِرُونَنِي، ثُمَّ بَعْدَ قَلِيل أَيْضًا تَرَوْنَنِي، لأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ». ولما سألوه عن معنى هذه العبارة، قال لهم : إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ. أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ، وَلكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ. وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ (يوحنا16:16-32) – فمن هذه الآيات يتضح لنا أن السيد المسيح كان عتيداً أن يموت أولاً، وأن تلاميذه كانوا عتيدين أن يبكوا وينوحوا. وبعد ذلك كان لابد أن يقوم من الأموات فيفرحون برؤيته، وأخيراً كان لابد أن يصعد إلى السماء من حيث أتى في أول الأمر. ومن ثم لا يكون من الميسور لهم أن يروه بالجسد بعد ذلك على الإطلاق.

 

ماذا يمنع من سرقة الجسد بحسن نية ؟
قال المعترض : ((ليس ببعيد أن يكون صحيحاً أن بعض الناس، أياً كان قصدهم، قد سرقوا الجسد بالفعل، سواءً كانوا من أتباع المسيح، وقد ظنوا أنهم بذلك يؤدون واجباً أو ينالون بركة أو نحو ذلك، أو من أعدائه وقد أرادوا أن يتخلصوا من هذا الجسد الذي علق أتباع المسيح آمالاً عديدة)) (دعوة الحق صفحة 166).

التعليق :
من المعلوم أن يوسف الرامي بعد أن دفن جسد السيد المسيح بتصريح من بيلاطس الوالي وضع على فم القبر حجراً كبيراً (مت57:27-60).
ويطلب رؤساء الكهنة من بيلاطس أن يضبط القبر بالحراس وختموا الحجر (مت26:27-66).
وفي صباح الأحد جاء ملاك من السماء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه، ومن خوفه ارتعد الحراس وصاروا كأموات ومضوا إلى المدينة وأخبروا شيوخ اليهود بكل ما كان، فأعطوهم فضة كثيرة وأوصوهم أن يقولوا إن التلاميذ آتوا ليلاً وسرقوا الجسد ونحن نيام. وإذا سمع ذلك عند الوالي فنحن نستعطفه ونجعلكم مطمئنين. فأخذوا الفضة وفعلوا كما علموهم. فشارع هذا القول عند اليهود (مت2:28-15).
ولم يأخذ الأستاذ المعترض صاحب كتاب دعوة الحق بقصة الإنجيل المقدس بل أخذ بإشاعة اليهود التي تنكر قيامة المسيح وتدعى سرقة الجسد. وهذا الادعاء ظاهر البطلان بالبداهة :
1 – سرقة الجسد من ستين جندياً مكلفين من الحكومة بالسهر ليلة واحدة أمر يكاد يكون مستحيلاً.

2 – ادعاء الجنود أنهم كانوا نياماً وأن التلاميذ سرقوا الجسد أثناء نومهم ادعاء غير معقول لأن النائم لا يرى شيئاً وشهادته لا قيمة لها.

3 – غير معقول أن يسرق جسد المسيح أتباعه وينادوا بقيامة ويموتوا شهداء في سبيل ذلك. فوجود الجسد في يدهم عنوان الفشل والكذب. وهم ليسوا من البلاهة حتى يعتبروا ذلك بركة.

4 – غير معقول أن يسرق جسد المسيح اعداؤه ويخفوه، بل من مصلحتهم أن يظهروه كدليل على فشل المسيح وخيبة دعوته.
فإن كان جسد المسيح لم يرفع من القبر بواسطة أعدائه، فيكون قد قام بقوته الذاتية كما أنبأ عن ذلك بنفسه (يو18،17:10). وقد برهن نفسه حياً بظهوراته العديدة.
هذا ويجدر بنا أن نذهب بصاحب الاعتراض إلى الإمام البيضاوي ليسمع منه كيف كان حال تلاميذ المسيح الحواريين وأتباعهم بعد صعود المسيح إلى السماء وماذا قال القرآن عن ذلك.
قال البيضاوي في تفسير آية 14 من سورة الصف : فآمنت طائفة من بنى إسرائيل وكفرت طائفة أي بعيسى.، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم بالحجة .. وذلك بعد رفع عيسى.، فأصبحوا ظاهرين فصاروا غالبين.
فكيف أيدهم الرب بالحجة يا سيادة المعترض ؟ هل يؤيدهم وهم لصوص كذابون، حيث سرقوا جسد المصلوب وادعوا أنه قام من الأموات كما تقول ؟ أم كان إيمانهم بقيامة المسيح صحيحاً،
فأيدهم الرب ضد غير المؤمنين فأصبحوا ظاهرين ؟.
قال القرآن الكريم وجعلنا الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة (سورة آل عمران :55).
قال الإنجيل 33وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ (أع23:4).
وهذه هي كَلِمَةُ الإِيمَانِ الَّتِي نَكْرِزُ بِهَا: 9لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ (رؤ9،8:10).

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات