الباب الحادى عشر : شهادة الإسلام لصحة الكتاب المقدس

 

برنامج الدليل 29 الكتاب المقدس صحيح وكامل في عصر الرسول الجزء الأول :

 

برنامج الدليل 30 الكتاب المقدس صحيح وكامل في عصر الرسول :

 

من الحقائق المعروفة أنه فى القرن السابع ظهر الإسلام فى بلاد العرب, وقد اعترف نبي الإسلام بالكتاب المقدس المتواجد بين أيدى المسيحيين فى عصره, وكان موقفه بالنسبة للإنجيل طيباً للغاية مما يقطع الشك باليقين أن الإنجيل لم يفقد ولم يبدل بإنجيل مزور كما يدعى البعض, وكما ذكر صاحب تحقيق السبت بجريدة الأهرام (عزت السعدنى)

بل أن نبى الإسلام عاين الكتاب المقدس الذى كان منتشراً فى كل بلاد العالم ومنها بلاد العرب وقت مجيئه فى القرن الساد

س.
لقد كان الكتاب المقدس موجوداً فى كل بلاد العرب مع اليهود ومع المسيحيين على اختلاف طوائفهم ووجوده معهم أشهر من نار على علم.
وقد شهد القرآن الكريم للمسيحيين فى وقت مجيئه أنهم أمة قائمة يتلون آيات الكتاب المقدس ويتعبدون به ليل نهار فقال  لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُون (آل عمران : 113).

وقد بلغ عدد ترجمات الكتاب المقدس في القرن السادس الميلادي خمس عشرة ترجمة كلها تتوافق مع بعضها ومع النص العبري (للتوراة ، للعهد القديم) والنص اليوناني (للإنجيل ، العهد الجديد) . كما بلغ عدد الترجمات أكثر من 2212 لغة ولهجة مع بداية الألفية الثالثة . حتي تصل رسالة محبة الرب لكل البشر .
ولم تكن قراءتهم للكتاب المقدس قراءة سطحية بل كانت قراءة عميقة وشاملة وعن دراية تامة. فكانوا يعرفون حقائقه كما يعرفون البديهيات. وقد جاء فى سورة (البقرة) “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ” (البقرة : 121).

شهادات متنوعة من القرآن الكريم للكتاب المقدس

الكتاب المقدس كتاب سماوى وموحى به من الرب:
الوحى الإلهى هو إلهام إلهى لعقول الأنبياء ينيرهم ويرشدهم ويعصمهم فيما يقولون للناس من مشيئة الرب
والإنجيل معناه الأخبار السارة المتضمنة للخلاص.. وقد نادى بهذه البشارة السيد المسيح له المجد وكل ما علم به وعمله وسمعه الرسل ذكرهم به الروح القدس عندما حل عليهم فدونوه بشارة مفرحة للناس. وقد سمى ما دونه القديس متى الرسول من وحى إلهى باسم بشارة القديس متي البشير ونفس الشئ مع ما دونه القديسون مرقس ولوقا ويوحنا.. الخ.
فالإنجيل موحى به من الرب إلى رسل المسيح الحواريين كقول القرآن الكريم وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي (المائدة : 111). وما أوحى به إلى الحواريين بخصوص الرب وكلمته (السيد المسيح) الذى أرسله إلى العالم إنما هو (البلاغ المبين) الذى قام الحواريون بنشره بين جميع البلدان مؤيدين بالمعجزات ولهذا سُمى الحواريون بالمرسلين كقول القرآن  .قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ  وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ  (سورة يس : 16 ، 17).
إن هؤلاء الحواريين مشهود لهم من القرآن الكريم بأنهم أصحاب رسالة منزلة وأنهم حملة البلاغ المبين وأنهم أنقياء السيرة والسريرة وأنهم من زمرة الأنبياء الشاهدين الغالبين وأنهم وأتباعهم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة.. لقد جاء عنهم فى القرآن الكريم أنهم من الشاهدين فهل من يختم حياته بالشهادة بالدم يكون مزوراً. لقد جاء فى سورة آل عمران قول التلاميذ للسيد المسيحله المجد “فاكتبنا مع الشاهدين”وقال ابن عباس مفسراً ذلك “أى من زمرة الأنبياء أو ممن يكون فى شهود جلالك مستعداً للشهادة بالدم ” ولشهرتهم بخلوص النية وصفاء القلب خلع عليهم القرآن لقب (الحواريين) وكرر لهم هذا الاسم الرفيع خمس مرات. قال البيضاوى فى تفسير آل عمران (الحواريين- حوارى الرجل خالصته من الحوار وهو البياض الخالص ومنه الحوريات للحضريات لخلوص الوانهم سمى بهم أصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام لخلوص نيتهم ونقاء سيرتهم” (البيضاوى صفحة ١٠٠). ولشهرتهم بالالتصاق بالرب وحبهم للسيد المسيح وغيرتهم الصادقة لقبهم القرآن الكريم بأنصار الرب فى قوله  قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ” (سورة الصف : 14) – كما لقبهم (أنصار المسيح) فى قوله  مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ  “ (الصف : 14) وقد فسر البيضاوى ذلك بمعنى أنهم انضموا إلى الرب ونفذوا مشيئته فى نصرة المسيح فصاروا فى دعوتهم المسيحية ناجحين المنتصرين على دعاة الكفر بالمسيح, وتأيدوا بالحجة بعد رفع عيسى فصاروا الغالبين الطاهرين.

(البيضاوى صفحة ٧٦٣).
ومن المعلوم أن الوحى يسمى فى القرآن بالتنزيل, ويؤكد القرآن الكريم أن الكتاب المقدس هو موحى به من الرب حيث قال نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجيل مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ ” (آل عمران : 3 ، 4). “ وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ” (المائدة : 46 ، 47 ). “ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ(العنكبوت : 46). “ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (النساء : 136).

ورغم ما أوردناه من نصوص إلا أن البعض يتصور خطأ أن الاسلام يهاجم المسيحية والكتاب
المقدس وهذا التصور الخاطئ يعد ادعاء على الإسلام وافتراء عليه. فالإسلام لم يسئ إلى المسيحية مطلقاً بل وصفها بأكرم الأوصاف ونعت كتابها المقدس بأقدس الكلمات والإسلام برئ من هذه الأفكار التى تهاجم الكتاب المقدس بل إنه يدعو إلى ضرورة قراءته والإيمان به ويقر بكماله وقداسته ويحث المسلمين على التعايش مع إخوانهم المسيحين فى ود وحب وسلام وهذا ما تنادى بها المسيحية. لذلك ليس هناك مكان لمن يحاول أن يصور خطأ وجود خلاف على صحة الكتاب المقدس من جهة الإسلام . ⁽*⁾ وها نحن نؤكد هذه الحقيقة الطيبة من بين صفحات كتاب الإسلام الذى لم يقدم للمسيحيين إلا حباً وخيراً.
________________________
*⁾ الحرب ضد الكتاب المقدس لها ما يماثلها فى الحرب ضد القرآن الكريم, فهناك عشرات الكتب الإسلامية
والتى قام بكتابتها أشخاص مسلمون ولكنها تطعن فى صحة القرآن الكريم وتتهمه بالتحريف. ويجب
عدم الإلتفات لتلك الكتب أيضا

 

أولاً شهادة الإسلام أن الكتاب المقدس كتاب منزل من الرب

( أ ) شهادة الإسلام لتنزيل التوراة (العهد القديم) : ⁽١⁾
– جاء فى سورة الأنبياء: 48  : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ .قال الرازى فى تفسيره : (الفرقان أى الكتاب الجامع لكونه فارقاً بين الحق والباطل وضياء يستضاء به من ظلمات الحيرة والجهالة وذكراً يتعظ به المتقون أو ذكر ما يحتجون إليه من شرائع). وجاء فى سورة الأنعام : 91 :   قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ“.وأيضًا في سورة غافر : 53 ، 54 : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ونكتفى بذكر هذه النصوص ولها مثيلاتها كثيرات لا يتسع لها المجال وربما نشير إليها تفصيليًا فيما بعد.

(ب) شهادة القرآن لتنزيل المزامير (الزابور) :
– جاء فى سورة الأنبياء : 105  :وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ “. وفى سورة الإسراء : 55  :” وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا  “.

(جـ) شهادة الإسلام لتنزيل الإنجيل:
– جاء فى سورة المائدة : 47 : “وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ “. وفى سورة الحديد : 27: ” ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ “.

الإنجيل موحى به للحواريين (التلاميذ الأثنى عشر):
– جاء فى سورة المائدة : 111 :  وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي“.

التلاميذ يبشرون بالإنجيل ويبلغون به العالم:
– جاء فى سورة يس : 16 ، 17  : قالوا رقَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ  وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ“.

(د) شهادة الإسلام لتنزيل الكتاب المقدس بكل من عهديه :
– جاء فى سورة يونس : 94 : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ۚ  وهذا يوضح أن الكتاب المقدس مصدر للوحى ومرجع للشرائع. وفى سورة الشورى : 15  :وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ “. وفى سورة آل عمران : 3 ، 4  :وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجيل مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ. وفى سورة النحل : 43 : ” وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ “.
_________________________
⁽١⁾ التوراة هى أسفار موسى الخمسة فقط ,ولكن اعتاد بعض الكتاب من الأخوة المسلمين أن يتحدثوا عن
العهد القديم فيقولون أنه التوراة.

الصفات التى يصف القرآن الكريم بها الكتاب المقدس
١- هدى للناس:  وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجيل مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ (آل عمران : 3 ، 4  )
٢- هدى ونور وموعظة للمتقين: “  إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ(المائدة : 44).  وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (المائدة : 46 ). قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ (الأنعام : 91).
٣- إماماً ورحمة : ” وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ “ (الأعراف : 154). وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ (الاحقاف : 12)
٤- بصائر للناس: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ “ (القصص : 43).
٥- هدى وذكر لأولى الألباب: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. ” (الأنعام : 53 ، 54).
الألقاب التى أطلقها القرآن الكريم على الكتاب المقدس
لقد أطلق القرآن الكريم على الكتاب المقدس العديد من الألقاب التى تدل دلالة واضحة على
أن الكتاب المقدس هو كتاب إلهى سماوى ومن بين هذه الألقاب:
١- الكتاب: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ” (سورة الجاثية : 16).   وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ” (سورة العنكبوت : 27). “ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ” (الأنعام : 156).
جاء فى سورة البقرة : 121 “ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تلاوته ⁽١⁾. أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ  . وجاء فى سورة البقرة : 44 “ أَتَأْمُرُونَ (بني إسرائيل)  النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
٢- الكتاب المنير :
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (سورة فاطر : 25). “ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (آل عمران : 184).
______________________
١⁾ قال الجلالان “يتلونه حق تلاوته أى يقرأونه كما أنزل والجملة حال وحق نصب على الحال, ومن يكفر به
 أى بالكتاب المؤتى”                                            

٣- الكتاب المستبين :
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ.وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (الصافات : 114 – 117).

٤- الفرقان :
وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” (البقرة : 53) “ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (الأنبياء : 48).

٥- كتاب الرب:
وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (سورة البقرة : 101). “ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (سورة التوبة : 36)
ويحتكم رسول الإسلام فى خلافته مع اليهود إلى كتاب الرب الذى بين أيديهم فى عصره “ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ  ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( آل عمران : 23 ، 24).
وهنا نص قاطع ”  إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ ( المائدة : 44)

الرب٦-كلام الله:
أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (البقرة : 75).


= وقال البيضاوى ” الذين آتيناهم الكتاب يريد به مؤمنى أهل الكتاب يتلونه حق تلاوته. بمراعاة اللفظ
عن التحريف والتدبر فى معناه والعمل بمقتضاه, وهو حال مقدره , والخير ما بعده أو خير (الدين) على أن المراد بالموصول مؤمنوا أهل الكتاب”
وأهل الكتاب على حق فى إيمانهم بكتابهم لأن من يكفر بهذا الكتاب المقدس فهو من الخاسرين فالنص واضح
والتفسير صريح وكلاهما شهادة قاطعة بصحة الكتاب الموجود فى زمن نبى الإسلام وصحة تلاوته , والقرآن الكريم يكفر من ينكر ذلك ويتوعده.
وهذا النص القاطع يكفى وحده لتأثيم تهمة التحريف اللفظى أو المعنوى فاليهود والنصارى يتلون كتابهم حق
 تلاوته.
ويختصم اليهود والنصارى ويكفر بعضهم بعضاً فيعجب نبى الإسلام لأن الطائفتين تتلوان الكتاب ” وقالت
 اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست على شئ. وهم يتلون الكتاب”  (البقرة).
قال البيضاوى “نزلت لما قدم وفد نجران على رسول الله وأتاهم أحبار اليهود فتناظروا وتقاولوا بذلك (وهم  يتلون الكتاب) والواو للحال والكتاب للجنس أى قالوا ذلك وهم من أهل العلم والكتاب”.
وقال الجلالان “وهم أى الفريقان يتلون الكتاب المنزل عليهم وفى كتاب اليهود تصديق عيسى وفى كتاب  النصارى تصديق موسى”. ولو كان القرآن لا يعتقد بصحة التوراة والإنجيل الموجودين فى زمانه وصحة فهمهما لما بقى مجال لدهشته.


٧– آيات الرب:
 يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ  (آل عمران : 70).

قال الزمخشرى: “آيات الرب: التوراة والإنجيل” , “
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ  (النساء : 155), “وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (البقرة : 41). ويمدح القرآن الرهبان المسيحيين على تلاوة آيات الرب آناء الليل وهم يسجدون ويثنى على صلاحهم وتقواهم    لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (آل عمران : 113 – 115 ).

٨- الذكر :
جاء فى سورة الحجر : 9  “  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
وهنا يجب الإشارة إلى أن البعض يقول أن المقصود بالذكر هنا هو القرآن بناء على ما جاء فى سورة الحجر : 6   وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ وفاتهم أن لفظة ذكر معناها الوحى وقد وردت صفة ونعتاً واسماً للتوراة والإنجيل وأيضاً القرآن على السواء.
”  لقد كتبنا وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (الأنبياء : 105 ). 
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ .. وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ ۚ (الأنبياء : 48 ، 50 ).
 وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  (النحل : 43).
يلاحظ أن القرآن الكريم لقب الكتاب المقدس بألفاظ سامية وقد أطلق هذه الألفاظ على نفسه
أيضاً مما يدل على أن القرآن الكريم ينظر للكتاب المقدس بكل قداسة.ثم يضيف القرآن الكريم بعد ذلك فيصف الكتاب المقدس بالكمال والهدى فيقول فى (سورة الأنعام : 154)  ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً بل أن القرآن الكريم يقرر أن من يحيد عن الكتاب المقدس يكون فاسقاً فقد جاء فى المائدة : 47 :
 وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون“.
كما أن القرآن الكريم يرفع الشك عن الكتاب المقدس فيقول فى سورة السجدة : 23 ” وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ “...ويقرر ضرورة الإيمان بالكتاب المقدس فيقول فى النساء : 136   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا “…
ويضيف القرآن بأن من لا يؤمن بالكتاب المقدس يكون خاسراً فيقول فى سورة البقرة : 121  ” الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ  “..
ويؤكد بضرورة الإيمان بالكتاب المقدس كاملاً وليس بأجزاء منه فقط فيقول فى سورة البقرة : 85   أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  
كما أن القرآن ينص على عدم اغفال دراسة الكتاب المقدس فيقول فى سورة الأنعام : 154 : 156  ” ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً … أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا (أى اليهود والمسيحيين) وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ“.

شهادة الإسلام بعدم تحريف الكتاب المقدس وسلامته
أولاً: شهادة الإسلام بعدم تحريف الكتاب المقدس قبل ظهور الإسلام:
(سورة يونس : 94): “فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ۚ “.
فلو كان الكتاب المقدس قد حرف فكيف يرتضى رسول الإسلام لنفسه أن يسأل قوماً حرفوا كتابهم!؟
(سورة المائدة : 43): “ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ . ومن هنا يتضح أن اليهود لم يمسوا التوراة رغم أنها لم تكن ملائمة لأهوائهم.
(سورة السجدة : 23): ” وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ ۖ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ  وهنا يدفع الإسلام مجرد الشك فى الكتاب المقدس.. وكما سبق وأشرنا أن الإسلام يدعو للإيمان بالكتاب المقدس كاملاً وليس بأجزاء منه (سورة البقرة). فلو حدث تحريف فى جزء من الكتاب المقدس ألم يكن من الأجدر أن يشير الإسلام إلى ذلك وأن ينبه الناس إلى ذلك ويحرم عليهم الأجزاء المحرفة.
(فى سورة الجمعة : 5 ) : ” مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا وفى هذا دليل قاطع على عدم تحريف التوراة بل إن المعنى هو عدم فهم اليهود للكتاب لأن الحمار اذا حمل أسفاراً لا يفهمها, أما ان نقول أن الحمار يتعرض لها بالتحريف فهذا غير معقول.. نكتفى بهذه النصوص ولها مثيلات أخريات..

ثانياً : شهادة الإسلام بسلامة الكتاب المقدس وقت ظهور الإسلام:
 (سورة يونس : 37) : اوَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ  “.
الذى بين يديه هو (الكتاب المقدس).
(سورة آل عمران : 81) :   ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ “.
(سورة  آل عمران : 3) : “ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ.
(سورة فاطر : 31) : “وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ“.
(سورة النساء : 47): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم 
(سورة الأنعام : 92): “  وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ“.
نكتفى بهذه النصوص, ومثيلاتها كثير, ولو كان الكتاب المقدس قد حدث به تحريف قبل او أثناء ظهور الإسلام للزم أن يتحاشى القرآن ذكره بهذا الإجلال والإكرام ووجب عليه ألا يغمض عينيه عن هذا التحريف بل يظهره ويشرحه.. أما أن يصرح القرآن بأنه جاء مصدقاً له ويحض على التمسك به وللاحتكام إليه فهذا دليل قاطع على سلامته.

ثالثاً : شهادة الإسلام باستحالة تحريف الكتاب المقدس بعد ظهور الإسلام :
(سورة المائدة : 48):  وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ.
قال البيضاوى فى تفسيره لهذا النص “ومهيمناً عليه, رقيباً على سائر الكتب يحفظها من التغيير ويشهد لها بالصحة والثبات”. فالقول يهيمنة القرآن للتوراة والإنجيل دليل على أن الإسلام يسلم بأنهما حفظا ويحفظان سالمين لم تلعب بهما أيدى المحرفين.
(سورة الحجر : 9): إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ وجاء فى تفسير الجلالين لهذه الآية
“أنه يحفظ ما أنزله من التبديل والتحريف أو الزيادة أو النقص”.
(سورة الأنعام : 115) : “  لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ.. وقد أثبتنا أن الكتاب المقدس هو كلام الرب..
(سورة الكهف : 27) :  لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ .
(سورة الفتح : 23) :  وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا.
(سورة يونس : 64) : “لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ  .
مما سبق يتضح بجلاء شهادة القرآن بصحة الكتاب المقدس قبل وأثناء وبعد ظهور الإسلام
وتعهد الرب بحماية كتابه من التحريف أو التبديل أو النقص أو الزيادة.

الفاتحة والمسيحية
مما يستلفت النظر أن الفاتحة التى يصلى بها إخواننا المسلمون خمس مرات فى اليوم يطلبون فيها الرب أن يهديهم إلى إيمان الذين أنعم الرب عليهم من أهل الكتاب فيقولون “اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ“.
والقرآن يقرر فى صراحة تامة أن الكتاب المقدس هو الهدى الكامل والمرجع الذى يرجع إليه إخواتنا المسلمون فيما استغلق عليهم فهمه فى سبيل الهداية فقال   وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (سورة غافر : 53 ، 54)
وقال “فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (يونس : 94).
 
رسول الإسلام يحتكم للكتاب المقدس ويعاينه
من الواضح أن الحكم فى القرآن الكريم ضد الزانية كان الحبس حتى الممات كقوله “وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا  ” (النساء : 15).
ولكن استبدل هذا الحكم بالجلد كقوله “الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ  (النور : 2).
ثم استبدل حكم الجلد بالرجم كقوله إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم“.
والنص الأخير كان متواجد بالقرآن الكريم فى سورة الأحزاب بشهادة الصحابة وأخصهم أبى بن كعب وخاله أبى إمامه بن سهل وعمر بن الخطاب وزيد بن ثابت.
ويقول العلماء أن هذا النص سقط كتابه وبقى حكماً أى يعمل به المسلمون شرعاً إلى الآن….
وقد أخذ حكم الرجم من الكتاب المقدس, وذلك واضح من قول القرآن الكريم “ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (المائدة : 43 ، 44).
ويتفق مشاهير المفسرين والعلماء مثل الطبرى والسيوطى والزمخشرى والجلالين والرازى والبيضاوى على أن قوماً من يهود خيبر أتوا بشريف وشريفة منهما زانيين وحكموا نبى الإسلام ماذا ينبغى لهذين قصاص. فذهب رسول الإسلام لبعض الأحبار وسألهم عن حكم التوراة ثم أمر رسول الإسلام بإقامة حكم التوراة وأمر برجمهما فرجما. وفى سبيل هذه القصة بالذات جاء فى القرآن الكريم قوله “كيف يحكمونك” أى اليهود. “وعندهم التوراة فيها حكم الرب” هذه شهادة على وجود التوراة صحيحة كاملة وأوجب العمل بها.

القرآن الكريم يشهد بأن الكتاب المقدس هو هو مع الطوائف المسيحية المختلفة :
فرغم تضارب الطوائف وتعددها فى المسيحية (كما فى غيرها من الأديان) فإن القرآن الكريم
يرى أن التوراة كما هى فى يد اليهود. والتوراة والإنجيل كما هما فى يد النصارى يتلونها
جميعاً بغير اختلاف على نصوصهما.
فقد أقام الرب على الكتاب منهم وكلاء أتقياء أمناء يحرصون عليه أكثر من حرصهم على أرواحهم فقال فى (سورة البقرة : 113)”وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ“.كما أن وجود الربانيين والقسيسين والرهبان وشهادة القرآن لهم بالتقوى والأمانة على الوكالة والشهادة للدين المسيحى أنه باق إلى يوم القيامة كقوله عن السيد المسيح “وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (آل عمران : 55).. كل ذلك دليل على وجود الكتاب المقدس فى أيام نبى الإسلام وبعده يتعبد به المسيحيون إلى قيام الساعة.

الكتاب المقدس أحد مصادر الشرع الإسلامى :
لقد جعل نبى الإسلام الكثير من شرع الإسلام من التوراة والإنجيل “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى” (الشورى : 13).

الكتاب المقدس هو المرجع فيما يستغلق فهمه :
 فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ  (يونس : 94).
كما أعلن الكتاب المقدس هو المرجع الذى يرجع إليه فى الشئون الدينية بل أعلن أنه على رسول الإسلام نفسه أن يقتدى بالكتاب المقدس.
جاء فى (سورة الأنعام : 89 ، 90) أ  أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ (قريش) فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (أهل الكتاب)  أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ ” وجاء فى (سورة النحل : 43) “ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ“. وقد جاء فى تفسير (الجلالين ص٣٥٧) أن أهل الذكر هم العلماء بالتوراة والإنجيل. فإن كنتم لا تعلمون ذلك فإنهم يعلمونه.

لوم المسلمين الغافلين عن دراسة الكتاب المقدس:
لقد لام رسول الإسلام أشد اللوم الذين يهملون دراسة الكتاب المقدس. كما أعلن القرآن الكريم أن من يحيد عن الكتاب المقدس يوصف بكل فساد “ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (المائدة : 47). لذلك أوصى مراراً وتكراراً وحرض الناس كثيراً على الإيمان به.
ضرورة الإيمان بالكتاب المقدس : “ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (الشورى : 15).
 قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (آل عمرا84).
يا أيها الذين آمنوا. آمنوا بالله ورسوله, والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً (النساء).
ضرورة عدم الشك فى الكتاب المقدس على الإطلاق : ” وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ (السجدة : 23).
ضرورة الإيمان بكل أجزاء الكتاب المقدس :
أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (البقرة : 85).

ضرورة الاعتراف علناً بالإيمان بالكتاب المقدس :
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ
(المائدة : 59).

القرآن الكريم يؤكد على ضرورة العمل بأحكام الكتاب المقدس
إذا كان الإيمان بالكتاب المقدس شيئاً بديهياً بالنسبة للمسيحى فهو فرض على كل مسلم, ويجب إطاعة أوامره ةالعمل بأحكامه ” لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ بِدُونَ رُوحٍ مَيِّتٌ، هكَذَا الإِيمَانُ أَيْضًا بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ (يعقوب2 : 26 ).
لذلك نجد أن القرآن الكريم يحض على بعض الأمور:
١- التمسك بالكتاب المقدس :
 وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ  (الأعراف : 170).
٢- الاحتكام لأهل الكتاب :
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ 
(المائدة : 43).
٣- احترام أهل الكتاب :
وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” (العنكبوت : 46).
٤- ضرورة الاصغاء لمشورة أهل الكتاب :
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ” (النحل : 43).
٥- عدم إغفال دراسة الكتاب المقدس :
 ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً..
 أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا(أى اليهود والنصارى)  وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ 
(الأنعام : 154 ، 156).
٦- العمل بأحكام الكتاب :
 وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
(المائدة : 47).
٧- عقاب الذين لا يؤمنون بالكتاب :
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ. هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ.. الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ  فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (سورة غافر : 53 ، 54 ، 70 – 72 ).
بدون الكتاب المقدس يكون الإيمان إسمياً
يقول أحد المعترضين فى كتابه “يتعين على المسلم الاعتماد أولاً على رواية القرآن مما ورد أيضاً فى الكتاب المقدس”.
التعليق: إن هذا القول يتعارض مع القرآن الكريم فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ” (النحل : 43).
قد أكدها بقوله “وَمَا أَرْسَلْنَا  قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  (الأنبياء : 7).
والمسلم لا يعتبر مسلماً فى نظر القرآن إلا إذا آمن بالرب وملائكته ورسله واليوم الآخر فقال ” وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (النساء : 136 )
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ (البقرة : 285)
فكيف يعتبر المسلم نفسه مؤمناً بالكتب وهو لم يقرأها ولا يريد أن يقرأها ويدعى أن ليس لها وجود؟

كيف يرسى مرساة إيمانه على لا شئ :
لقد جاء بالقرآن الكريم وعدالرب بحفظ الكتب المنزلة. فقد جاء فى سورة الحجر : 9  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ“- وفى سورة الكهف : 27  وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا – وفى سورة يونس : 64  “لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ – وفى سورة الفتح : 23 ” وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا  
“ً.. فاذا كانت التوراة والإنجيل كما ثبت مما تقدم أنهما “الذكر وكتاب الرب وكلمات الرب المودع فيها حكم الرب” فيكون الوعد الإلهى بالحفظ وعدم التبديل شاملاً لهما. ولا يمكن لعاقل يقول هذا الوعد خاص بالقرآن الكريم دون التوراة وغلإنجيل لأن من يقول بذلك يرمى القرآن بالتناقض ويتهم عدالة الرب وصدقه وحفظ مواعيده (حاشا) وكأنه يقول إن الرب بعدما وعد وعداً مطلقاً بحفظ الذكر والآيات التى أنزلها وعدم المساس بها أو التبديل فيها يرجع ويقصر وعده على القرآن فقط ويظهر عجزه عن حفظ التوراة والإنجيل (حاشا للرب من ذلك).
والآن نتساءل معاً إذا كانت التوراة (العهد القديم) قد حُرفت كما يدعى البعض فمتى تم ذلك؟
إذا قلنا أن التوراة تحرفت قبل مجئ السيد المسيح ورسله نقول “إن السيد المسيح قد صادق على صحة الكتب المقدسة”:
أولاً : بالاستشهاد بما جاء فيها من نبوات تتكلم عنه. ومن أبرزها نبوة إشعياء, التى تلاها السيد المسيح فى مجمع الناصرة حيث مكتوب: “رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ.لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ، وَبِيَوْمِ انْتِقَامٍ لإِلَهِنَا. لأُعَزِّيَ كُلَّ النَّائِحِينَ.” (إشعياء 61 :1 ، 2). ويخبرنا القديس لوقا البشيرأن السيد المسيح بعد أن تلى هذه النبوة الخاصة به قال للسامعين: “ «إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ» ” (لوقا 4 : 21).
ثانياً: بحضه اليهود على تلاوة الأسفار المقدسة ودرسها, إذ قال لهم:  فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي “ (يوحنا 5 : 39 ).
ثالثاً: بتوبيخه الصدوقيين لجهلهم بالأسفار المقدسة وعدم إقامة أحكامها, إذ قال في إنجيل متى 22 : 29 «تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ,”.
رابعاً: باتخاذها سلاحاً ضد تجارب إبليس.. إذ نقرأ فى الإنجيل المقدس, أن يسوع صد التجارب, التى هاجمه بها إبليس فى برية الأردن, بآيات من الكتاب المقدس. ففى التجربة الأولى قال:   «مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ». “ (متى 4 : 4 ).  وفى التجربة الثانية, قال:  «مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ». “ (متى 4 : 7 ). وفى التجربة الثالثة قال:

«اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! إِنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ» (متى 4 : 8 ).
وكذلك رسل السيد المسيح, حذوا حذو معلمهم فى الاستشهاد بنبوات العهد القديم, لدعم كتاباتهم: كقولهم عن هلاك يهوذا الإسخريوطى:لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ: لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَابًا وَلاَ يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ. وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آخَرُ. “ )أعمال 1 : 20) ).
وكقولهم عن حلول الروح القدس, فى يوم العنصرة: “ بَلْ هذَا مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ النَّبِيِّ.يَقُولُ اللهُ: وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا.وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضًا وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ.“(أعمال الرسل 2 : 16 – 18) .
فهل يعقل أن السيد المسيح ورسله الأمناء الموحى إليهم, يستشهدون لإثبات رسوليتهم وتعاليمهم بآيات من كتب محرفة. ثم يحضون الناس على تلاوتها, وإقامة أحكامها؟ أو هل يتجاسر أحد على القول بأن السيد المسيح ورسله لم يكونوا عالمين بتحريفها. فاستشهدوا بها وهم لا يدرون؟
كما أن السيد المسيح استشهد بأجزاء منها وحث اليهود على تفتيش هذه الكتب وهكذا سلك رسله وتل اميذه فهل يعقل أن السيد المسيح يثبت تعاليمه من كتب محرفة ويحض الناس على تداولها كما جاء فى (يوحنا ٥: ٣٩, مرقس ٢ :٢٤) ؟ أم أن السيد المسيح ورسله كان يخفى عليهم هذا التحريف الذى يدعى البعض حدوثه بالتوراة لذلك استشهدوا به وهم لا يعلمون. إذا قلنا هذا فإننا نطعن فى علم الرب وننسب له الجهل لأن القرآن الكريم يقول صريحاً إن الإنجيل هو منزل من عند الرب كما جاء فى (سورة آل عمران والمائدة).
إذا قلنا إن التوراة تحرفت من اليهود بعد زمن السيد المسيح (بالجسد) ورسله نقول : إن التوراة منذ ذلك الوقت فصاعداً كانت موجودة بين أيدى المسيحيين كما كانت موجودة بين أيدى اليهود. فهل يعقل أن اليهود يتجاسرون على تحريفها وهم يعلمون بوجودها عند النصارى.
إذا قلنا إن التحريف صار من النصارى : نقول أن ما قلناه بخصوص اليهود نقوله بخصوص النصارى حيث لا يمكنهم أن يتجاسروا على تحريف التوراة وهم يعلمون بوجودها عند اليهود خصومهم الذين لا يمكنهم السكوت على هذا التحريف.
إذا قلنا إن اليهود والنصارى قد اتفقا على تحريف التوراة نقول : إن هذا غير ممكن وإن الشخص العاقل لا يقول بذلك لأن اليهود مضادين للنصارى فى عقيدتهم فى السيد المسيح بل أنهم ينكرون مجيئه فكيف يتم الإتفاق على التحريف. ولو افترضنا أن المستحيل حدث, أفما كان اليهود يشترطون حذف النصوص التى تمجد السيد المسيح وتتكلم عن لاهوته وولادته المعجزية من عذراء وكل الأقوال النبوية عن آلامه وموته وقيامته؟ أمّا وكل هذه النصوص التى تمجد السيد المسيح مازالت باقية, فكل ادعاء فى هذا الأمر يسقط.
إذا قلنا عن العهد الجديد (الإنجيل المقدس) إنه تم تحريفه فنحن نسأل أيضاً متى تم ذلك ؟
إذا قلنا ان ذلك تم قبل الإسلام : نقول كيف يكون الوضع كذلك بينما جاء فى سورة يونس : 94   فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ “.. كيف يطلب الرب من رسول الإسلام أن يزيل الشك من قلب البشر بأن يلجئه إلى الكتاب المقدس وقد حدث به تحريف
هل الرب لم يكن يعلم بما حدث للتوراة والإنجيل من تحريف وتبديل ؟ حاشا. هل كان الرب يخدع؟.
حاشا.. لقد جاء فى سورة المائدة : 48  “
 وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِوجاء فى سورة الأنعام : 92 “ وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ” فكيف
يكون التوراة والإنجيل محرفين قبل نزول القرآن الكريم؟ هل يوافق أخوتنا المسلمون أن يكون
مجئ القرآن مصدقاً على كتاب محرف لعبت به أيدى التغيير والتبديل؟ والمعروف أن الهيمنة
تعنى الحراسة والحماية.. والحراسة على التوراة والإنجيل تعنى الاحتفاظ بما فيهما من حقائق
إلهية. فهل يعجز الرب عن تنفيذ ما يقول؟
ولعلنا بعد ما تقدم, يجب أن نطرح هذا السؤال: لو أن نفراً من المسلمين الذين يقيمون القرآن
بدقة, أرادوا الذهاب إلى أهل الكتاب ليسألوهم عن بعض الأمور الإلهية, صادفوا فى طريقهم
فريقاً من المدعين التحريف؛ وقالوا لهم إننا وفقاً لتعليم القرآن ذاهبون إلى أهل الذكر, لنسألهم
عن بعض الأمور.فهل يتجاسر أولئك المدعون على القول لهم:لا تذهبوا لأن ذكرهم محرف؟ ولو
بالفرض أنهم تجاسروا, فماذا يكون موقف أولئك الأتقياء. أيصدقون مدعى التحريف, أم يصدقون قول القرآن في سورة ( النحل : 43 ) : “إ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  ” ؟.
والسؤال الثانى, يفرض علينا طرح سؤلا آخر وهو: ماذا يكون حال المدعين بالتحريف, لو أن
الملحدين , الذين بثوا فيهم فكرة تحريف التوراة والإنجيل ,رموا القرآن بما رموا به التوراة والإنجيل, وقالوا انه محرف؟ فبماذا يردون عليهم, وأى سلاح يشهرونه فى وجه الملاحدة ,بعد أن يكونوا قد طرحوا السلاح الوحيد, الذى أوجده الرب فى أيديهم, وهو وعده بحفظ كتبه المقدسة من كل عبث وتحريف؟ ؟.
وهناك سؤال ثالث, وهو: ما هو موقف عامة المسلمين الذين أخذوا بادعاء مدع ين بالتحريف
من قول القرآن : الم (1ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) (سورة البقرة : 1 – 5).
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ (سورة البقرة : 136 ).
فكيف يأمر القرآن الذين آمنوا بما أنزل فيه بأن لا يفرقوا بين قرآنهم وبين الكتاب الذى من قبل, وهو عارف بأن الذى أنزل من قبل محرف ومتغير, ألا يكون الادعاء بالتحريف إتهاماً لبرالرب وصدقه وأمانته؟
كل من قرأ التاريخ رأى أن المسيحين منذ بداية العصر الرسولى إلى القرن الرابع الميلادى, قد
عانوا الاضطهاد والتنكيل الوثنيين واليهود. وقد احتملوا العذبات, بأقسى ألوانها بصبر أدهش العالم, حتى معذبيهم أنفسهم. وهذا الاحتمال العجيب نشأ عن إيمانهم بالإنجيل المقدس, وتمسكهم بمبادئه الإلهية.
ويروى لنا التاريخ أنهم أقبلوا على الاستشهاد بفرح, حباً بالمسيح, وطاعة لأمره القائل: ” كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ ( رؤ 2 : 10 ) وإن كثيرين منهم ضوعفت عذاباتهم لأنهم أبوا أن ينكروا المسيح ، أو يرفضوا إنجيله ، حباً بالنجاة مفضلين بالأحري أي نوع من الموت علي التمتع الوقتي بالحياة ’
افتح سجلات المسيحية, ترى ذكراً لسحابة من الشهود الذين عذبوا. ولم يقبلوا النجاة, لكى ينالوا قيامة أفضل. فهل يصدق أحد أن المسيحيين, الذين قدموا هذه التضحيات الرائعة, وتجرعوا من الآلام لأجل مبادئ الإنجيل, يقدمون على تحريف إنجيلهم؟
وهل يسمح المسيحيون لأحد, أيا كان شأنه, أن يبدل كلمة من إنجيل الرب, ولهم تلك الوصية الرسولية القائلة: “وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»! – أي مرفوضاً (رسالة غلاطية ١ :٨).
وإنى لأسأل كل مدع بالتحريف: ما هو الباعث للمسيحيين على تحريف كتبهم المقدسة؟ هل يكون هذا الباعث أفضل من حياتهم الأبدية؟ لأن ربهم وفاديهم, الذين عبدوه بأرواحهم ودمائهم .وكل عزيز وثمين لديهم, قد ختم عهده معهم برسالة بلغها بواسطة رسوله الأمين يوحنا:لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هذِهِ النُّبُوَّةِ، يَحْذِفُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمِنَ الْمَكْتُوبِ فِي هذَا الْكِتَابِ.” (رؤيا٢٢ :١٨-١٩).
إذا قلنا بأن التحريف المزعوم للتوراة والإنجيل حدث بعد مجئ القرآن فأننا نقول (إن فى ذلك طعن فى صدق مواعيد القرآن الكريم) لأنه شهد بأن الرب حافظ للكتاب المقدس.. فكلمة حافظون الواردة فى القرآن الكريم تأتى فى صفة اسم الفاعل وتدل على أن الوعد بالحفظ لا يشمل الماضى فقط بل الحاضر ثم ينسحب على المستقبل كقول الزمخشرى (إنه يشترط فى أعمال اسم الفاعل أن يكون فى معنى الحال والاستقبال) كما أن قوله (لاتبديل لكلمات الله) و(لن تجدن لسنة الله تبديلاً) فإن الوعد بعدم التبديل ليس عن الماضى بل ينسحب على المستقبل. كذلك فإن القول بالتحريف بعد مجئ القرآن الكريم يطعن فى مهمة القرآن الكريم فكلمة (مهيمناً) اسم فاعل مدلوله كمدلول (الحافظون) يدل على الهيمنة فى الحال والاستقبال.
كما أن الواقع والتاريخ يرفضان هذا الزعم استناداً على الحقائق التالية:
(١) إن الديانة المسيحية كان منتشرة فى بلدان عديدة, كالأناضول, وبلاد العرب, وشمالى أفريقيا, وإيران, والهند, وإيطاليا, وفرنسا, وأسبانيا, وانجلترا, وألمانيا. فهل يسلم العقل السليم بأن المسيحيين المنتشرين فى هذه البلدان المتعددة والمتباعدة, اجتمعوا يوماً فى مكان واحد, للاتفاق على تحريف الإنجيل؟
(٢) إن الذين اعتنقوا المسيحية فى تلك البلدان, لم تكن لهم لغة واحدة, بل لغات مختلفة. والكتاب المقدس كان منتشراً فى لغاتهم, مما يجعل إتفاقهم على تزوير الكتابات المقدسة أمراً مستحيلاً. خاصة أنهم كانوا يجهلون لغات بعضهم البعض.
(٣) إن المسيحيين فى القرن الرابع كانوا منقسمين إلى طوائف عديدة, يباعد بينها بعض العقائد المذهبية. وكل فريق يجتهد لدعم وجهة نظره بآيات الكتاب المقدس. فكثرت المناقشات حول التفسير. وعقدت مجامع, بحثت فيها الخلافات العقائدية. وأشهرها مجمع نيقية الذى انتهى بشجب بدعة آريوس وأتباعه. ولهذا يسقط الادعاء, بأن المسيحيين اتفقوا على تحريف الإنجيل.
ولعله من الحق الصريح أن نسأل المدعين بالتحريف أن يذكروا لنا متى وأين حصل التحريف؟ ومن هم الذين حرفوه, وكيف حصل الاتفاق بينهم؟.
إن العالم لم يخل يوماً من مؤرخين أمناء, دأبهم أن يدونوا الحوادث فى سجلاتهم, فهل يستطيع أحد أن يذكر لنا اسم مؤرخ وثنى, أو يهودى, أو مسلم, ذكر ولو تلميحاً أن مؤتمراً عقد بين شعوب العالم المعتنقة لليهودية والمسيحية المختلفة فى العقيدة واللغة, وجرى فيها العبث بكلام الرب؟ وإن كان هذا قد حدث, أفلم يكن فى استطاعة أحد أن يحتفظ ولو بنسخة واحدة, لتبقى شاهداً على تواطؤ اليهود والمسيحيين؟.
ويقيناً أنه لو حدث تواطؤ كهذا, لكان معناه أن الخصومات بين اليهود والمسيحيين قد زالت, وكان الثمن تحريف شريعة الرب.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات