الباب الثالث عشر: لماذا يوجد أربعة أناجيل

 

لماذا يوجد أربعة أناجيل :
يعتقد بعض المسلمين أن الإنجيل هو رسالة السماء إلى السيد المسيح ولهذا فهم يقولون إنه لا مبرر لوجود أربعة أناجيل تنتسب للسيد المسيح… والحقيقة أن هذا الموضوع بسيط للغاية لأننا نحن المسيحيين نؤمن كما يؤمن معنا أعلام وفلاسفة المسلمين وحكماؤهم مثل ابن سينا وابن رشد والفارابي وغيرهم أنه ليس عند الرب لغات ولا حرف- اي ليس عنده إنزال ميكانيكى⁽١⁾ فالاعتقاد المسيحي عن الوحى هو ما سجله القديس بطرس قائلاً تكلم أناس الله القديسون مسوقينمن الروح القدس” (٢بط١ :٢١) لذلك نجد أن الرب يحرك الكتاب وينير عقولهم ويحفظهم من الزلل، فهو يكون لهم مرشدا⁽٢⁾  ورقيباً يعصمهم من الخطأ في نقل وتسطير ما تريد عنايته الإلهية أن تخبرنا به لفائدة عباده إفراداً وإجمالاً بحيث لا ينفل إلا ما ألهمه الرب إياه، فيكون الرسول إذ ذاك ككاتب مطيع في حوزة الكاتب الأسمى وطوع إرادته.
وعلى هذا فالأناجيل الأربعة عندنا كمسيحيين كتبت بإرشاد الروح القدس وعمل الرب. وهذا لا يبطل صفات الكاتب الطبيعية من ذكاء وأهليته ومعارف لغوية. وفصاحة بديهية، ولا يخلقها فيه إذا كان ممن لم يحظ بها، لأن الرب يختار من يشاء وليس هو بحاجة إلى الفصحاء والبلغاء ليلقى إليهم وحيه. ومن ثم لا يستلزم وحى الكتب المقدسة تنزيل الألفاظ وتنسيق التراكيب، لكن يقتصر فيه عادة على الحكم والمعاني. فينقلها هذا في قالب فصيح وعبارة صحيحة سيالة. وذاك في تركيب لا يقصد به إلا إيصال المعاني إلى الأذهان. ولا يختلف المعنى في كلا النقلين؛ وشتان مثلاً بين فصاحة الشاعر اللوذعي النبي إشعياء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
⁽١⁾ يعتقد علماء المسلمين أن الرب تعالى هو نفسه الذي كتب الكتب الإلهية التي أوحاها إلى أنبيائه ورسله الكرام- إذ يعتقدون أنه- جل شأنه- منذ الأزل أمر (القلم) فخط في(اللوح المحفوظ) نص وفص العبارات والجمل التي أوحيت إلى الأنبياء والرسل. ثم أنه –جل جلاله- في أوقات متفاوتة، اختار أناساً سبق فعرفهم وسبق فعينهم ليكونوا رسله في تبليغ الأسفار المقدسة إلى البشر. وبناء على هذه المعتقدات نرى عامة المسلمين يسلمون -بسهولة فائقة- بأن هذه الوساطة البشرية لم تترك أثر بالمرة لشخصيات الرسل الموحى إليهم.
⁽٢⁾ ليس المقصود من قولنا إن الكتاب المقدس هو كلام الرب أن الرب أنزله آية آية وكلمة كلمة وحرفاً حرفاً استقبلها الكاتب كما سمعها من فم الرب أو ملائكته وقيدها بحروفها الأصلية، لكننا نريد أن نقول إن الرب إذا ما قصد بسمو لطفه وحكمته تبليغ البشر شيئاً من أسراره – حرك باطناً كاتباً يختاره فيبعثه على كتابة السفر ثم يمده بتأييده الخاص ونعمته الممتازة ويلهمه اختيار الحوادث والظروف والأعمال والأقوال التي شاء أن يبلغ بها البشر مع عصمته الكاملة من الزلل عند تدوين كل كلمة وكل حرف. وربما كانت بعض الحوادث والظروف مجهولة من الكاتب فلا يصل إليها إلا إذا أوحاها الرب إليه مباشرة أو تكون معلومة لديه أو مما يستطيع معرفه باستطلاع الأخبار واستفتاء الشهود والتنقيب والاستقراء. فلا حاجة عندئذ إلى تنزليها عليه لعدم الفائدة إنما يلهمه الرب كتابتها ويصونه في إيرادها عن الضلال. وهذا كاف لأن يعزى الكتاب إلى الرب فيقال كتاب الرب، والكتاب الموحى به من الرب. لأن الرب هو المؤلف السامي له، باختيار مواضيعه ومعانيه وإلهام ناقليها وتحريكهم على كتابتها بالنوع الذي أراده وعصمته إياهم عن الخطأ خلال تسطيرها من بدايتها إلى نهايتها.


وبين أسلوب النبي عاموس، وكلاهما نبي ينقل آيات الرب كما أننا لا  ما أننا لا يمكننا أن ننكر ما يمتاز به إنشاء الطبيب والأديب لوقا الإنجيلي من رقة التعبير وانسجام العبارة اليونانية عن إنشاء غيره من كتبة العهد الجديد الذين كتبوا مثله باليونانية. ولا عجب في ذلك؛ فإن الرب إذا أوحى لنا كلامه إنما اراد جوهر الدين ولب الآداب وقصد خلاص النفوس وليس القشور الخارجية وأعراضها، والمقصود عندما نقول كلمة إنجيل هو التعبير عن ترجمة حياة السيد المسيح كما كتبها كل من القديسين متى ومرقس ولوقا ويوحنا بمفردهم، أو ما كتب بعد ميلاد السيد المسيح بواسطتهم جميعاً، حيث أن كلمة إنجيل هي أصلاً كلمة يونانية (ڤـا انجليون) اي النبأ أو البشارة المفرحة، ومن كلمة بشارة جاءت كلمة (بسرت) في الآشورية و(بشرت) في الاوجريتية (بشرة، بشورة) في العبرية (سبرتا) في السريانية.وقد أخذت اللغة الحبشية القديمة ما يشبه الكلمة اليونانية (ڤـاإنجليون). فالإنجيل عندهم هو (ونجيل). وعنها أخذها العرب، وأصبحت الإنجيل اي البشارة المفرحة التي بشر بها كل من رسل رب المجد.
ولذلك فالإنجيل ليس كما يتصور البعض أنه كتاب أوحى به السيد المسيح بل هو رسالة أعدها المسيح للعالم ووعظ بها بفمه الطاهر. فالسيد المسيح هو الرب الظاهر في الجسد، فكيف يأخذ رسالة من أحد! كما أنه لم يكتبها وإنما علمها شفوياً لتلاميذه المختارين وأرسلهم إلى جهات مختلفة لينشروها ويعلموا آخرين غيرهم لذلك دعوا رسلاً، ووعد بالروح القدس ليعلمهم كل شيء وقد حدث هذا يوم الخمسين، فأخذوا يبشرون الجميع بالإنجيل في كل مكان ويقدمون لهم رسالة الخلاص بما يلائم عادتهم ولغاتهم وحسب إرشاد الروح القدس لهم. فليس معنى هذا وجود أربعة أناجيل كما يعتقد البعض، إنما هو إنجيل واحد له أربع صور لتكون الشهادة قوية.
لقد كان من الضروري على التلاميذ الحواريين في تبشيرهم أن يعلموا عن السيد المسيح حسبما يلائم عادات ولغات العالم. ومن ثم كانت الرسالة في مادتها- من حيث أنها بشارة المسيح، بشارة الخلاص- واحدة وإن تنوعت مظاهرها. ومن ثم كتب البشيرون الأربعة البشائر الأربع في أزمنة متقاربة، وقد نحا كل منهما في كتابة منحى خاصاً.
فليس إذاً وجد أربع بشائر يعنى وجود أربعة أناجيل، كما يظن بعض أخواتنا المسلمين بل هو إنجيل واحد ذو مناظر أربعة كتبه البشيرون متى ومرقس ولوقا ويوحنا. إنه رسالة واحدة. إنه الإنجيل الذي قدمه السيد المسيح مبشر به وأعاده الروح القدس إلى أذهان هؤلاء البشيرون. وكل كاتب منهم يمثل –بوحى الرب- تعليم الإنجيل المعطى شفوياً من السيد المسيح تمثيلاً صادقاً، وكل بشارة منها تؤدى رسالة خاصة مكملة للأخرى.
فالسيد المسيح واحد لا أربعة. والإنجيل واحد لا أربعة. ولتوضيح ذلك نقول:

من أجل الإيضاح :
أفترض أن أربعة أجانب زاروا بلادنا الحبيبة مصر. أولهم ضابط. وثانيهم إمام مسلم.وثالثهم فنان. ورابعهم كاهن مسيحي. ثم عادوا بعد زياراتهم إلى بلادهم وأبتدأ كل واحد منهم يكتب عن مصر كما رأها، فلا شك في أن كل منهم سيكتب من جانب غير الآخر.
(١) الضابط: سيصرف اهتمامه في الكتابة عن موقع مصر الجغرافي وقيمته الحربية ووصف المعسكرات والطرق العسكرية والقلعة وشكل الجنود وملابسهم وطريقة معيشتهم وأنواع الأسلحة ومدى تطورها، وذلك لأنه نظر بعين الضابط الحربى كما نظر (متى اليهودي) إلى السيد المسيح باعتباره (المسيا المنتظر ملك اليهود. ابن داود) فكانت بشارته بشارة الماضي.
(٢) الإمام المسلم: سيصرف اهتمامه في الكلام عن الأزهر والمعاهد الدينية الإسلامية وجمعية الشبان المسلمين وجامع عمرو بن العاص والمساجد الأثرية الأخرى والنشاط الإسلامي، والمؤسسات الإسلامية المتواجدة في كل مكان والتكايا والأوقاف وغير ذلك مما يتعلق بالإسلام. وذلك لأنه نظر إلى مصر بعين الإمام المسلم الذي يجب ألا يرى شيئاً إلا إسلامياً، كما نظر (البشير مرقس) إلى السيد المسيح باعتباره (الخادم الأعظم. رجل الأحزان وطبيب الإنسانية). فكانت بشارته بشارة الحاضر.
(٣) الفنان: فإنه يملأ كتابه بالصور الفنية بمناظر وادى النيل ويفعمه بوصف أثار الفن فيها وصفو السماء وخضرة الأرض وجمال الطبيعة والشمس المشرقة وكل ما أنعم به الرب على بلادنا الحبيبة مصر من سحر وجمال، وذلك لأنه نظر إلى وطننا الحبيب بعين الفنان كما نظر (البشير لوقا) إلى السيد المسيح باعتباره (ابن الإنسان صانع المعجزات وصديق البشر)، فجاءت بشارته بشارة المستقبل.
(٤) الكاهن المسيحي : سيصرف اهتمامه إلى الكنائس والأديرة والطقوس والروح المسيحية ودار البطريركية، وذلك لأنه نظر إلى أمتنا الحبيبة بعين الخادم المسيحي كما نظر (يوحنا الحبيب) إلى السيد المسيح باعتباره (ابن الرب وكلمته الذي صار جسداً واحداً وحل بيننا)، فجاءت بشارته البشارة الروحية السرمدية.
فكما أن هؤلاء الزائرين الأربعة لم يصفوا أربعة بلاد بل تكلموا عن بلد واحد ولم يكونوا كاذبين، بل كان كل واحد منهم صادقاً فيما عبر وكتب، كذلك البشيرون الأربعة، لم يكتبوا إلا عن مسيح واحد وإنما اختلف لون منظار كل منهم منظار كل منهم، ووجهة نظره. فكانت البشائر الأربع، والإنجيل هو كل هذه البشائر المستقلة المكملة وما تبعها من رسائل لزيادة الإيضاح والبيان

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات