متي كتب كتاب برنابا المزيف

(١) من الناحية الأثرية والتاريخية:
قام علماء الآثار وعلماء الكتاب المقدس بدراسة النسخة الاصلية من هذا الكتاب في العالم، وهي النسخة الإيطالية، وبعد دراسات مستفيضة خرجوا بالنتيجة التالية:

هذه النسخة لا يمكن أن ترجع بأية حال من الأحوال لما قبل النصف الثاني من القرن الخامس عشر أو القرن السادس عشر بأي حال من الأحوال، وقد كان بين الأسباب التي اعتمدوا عليها.

١- نوع الورق إيطالي مميز .

٢- الحبر المستخدم لم يكن معروفاً قبل النصف الثاني من القرن السادس عشر.

٣- الرسم الموجود على غلاف هذه النسخة هو من طراز عربي.

٤- نوع الخط المستخدم، وهو إيطالي يرجع إلى القرن السادس عشر.

٥- أسلوبه إنشائي ولا يتفق مع أسلوب السيد المسيح السامي في البساطة .

٦- لغته هي الإيطالية لغة أهل (توسكانيا)، مع تعابير من لغة (فينيسيا). وهذه اللغة وهذا الأسلوب لم يستخدما ولم يشيعا في الكتابة قبل استخدام الشاعر الإيطالي (دانتى اللريجرى) المتوفي١٣٢١م . مع العلم بأن الأناجيل الصحيحة كتبت باليونانية والآرامية. أما الكتابات الأبوكريفا فقد كتبت باليونانية والآرامية واللاتينية والسريانية والقبطية، وهي اللغات التي سادت القرون الأربعة الأولى للميلاد، ولم يكن للإيطالية أي وجود قبل القرن الرابع عشر. وقد يتبادر للذهن هذه النسخة الإيطالية إنما هي نسخة مترجمة، ولكن العلماء يجزمون بأن النسخة الإيطالية غير مترجمة من لغة

 

أخرى بل إنها أصلية فهي:
١- لا تحوى سمات الترجمة.

٢- ليس فيها أي تعبير يشتم فيه رائحة الترجمة كما شاع في ترجمات العصور الوسطى عن العربية أو غيرها إلى الإيطالية. ولو كان هذا الكتاب من الكتب التي دونت في القرن الأول الميلادي مثلما حدث مع إنجيل السيد المسيح الصحيح لكان يتواجد بين أسفار العهد الجديد وباللغة اليونانية وكان ينتشر مثلهم من القرن الأول الميلادي، وكان لابد من وجود نسخ أثرية له باللغة اليونانية. وكان لابد أن يقتبس المؤلفون والمبشرون منه مثلما فعلوا مع غيره.

٣- وجود عبارات باللغة العبرية في الصفحة الأولى من النسخة الأصلية مثل الرب عظيم و (إذا أرديتم) أي إذا أردتم من الرب شيئاً مع وجود عبارات أخرى باللغة العربية في الهوامش، مما جعل الذين شاهدوا هذه الكتابة يعتقدون في البداية أنه كتب في الشرق أو في أحد البلاد التي فتحها الإسلام. إلا أن الحقيقة أنه كتب في إسبانيا أثناء احتلال العرب لها. حيث اتضح ذلك للدارسين بعد فحصهم للورق المستخدم في هذه النسخة ودراستهم للخط والأسلوب.

 

(٢)من الناحية الإسلامية:
– هذا الكتاب لم ترد آية إشارة إليه في القرآن الكريم رغم اتفاقه مع العديد من نصوصه، لأن القرآن الكريم يتحدث عن إنجيل عيسى بن مريم، وعموم المسلمين لا يقبلون خرافات برنابا. – حزمي الأندلسي وبن تيمنة المشرقي أشهر الذين جادلوا بين المسيحية والإسلام لا يوجد في جداولهم أي إشارة لهذا الكتاب.

– لا أثر له في كتب الفقه والتفسير مثل كتب الرازي والقرطبي والطبري وبن كثير والبيضاوي.

– لو كان هذا الكتاب موجوداً وقت ظهور الإسلام مع باقي الأناجيل المكتوبة بواسطة متى ومرقس ولوقا ويوحنا لكان القرآن قد حرض المسيحيين على التمسك به ورفض الآخرين، بل  كان يشهر بالباقين كل التشهير ويؤيد الكتاب المسمى برنابا لأن فيه بعض الأمور التي تتفق مع الإسلام وقد كان في بلاد العرب قبل ظهور الإسلام قبائل مسيحية مثل حمد وربيعة ونجران لها صوامع وبيع (الحج:٤٠) وكان بين هؤلاء شخص يدعى بحيرة وآخر يدعى ورقة ابن نوفل، والأول كان راهباً له علاقة وثيقة برسول الإسلام. أما الثاني فكان باحثاً يقرأ الإنجيل بالعربية (البخاري جـ ٤ ص١٨٤) ويقول عنه المؤرخون انه كان ابن عم السيدة خديجة أولى زوجات رسول الإسلام.
وقد قالت الدكتورة ابنة الشاطئ عن مسيحيين القبائل (أنهم كانوا صادقي العقيدة. تركوا وثنيتهم واستجابوا لأول داع دعاهم إلى دين سماوي، لما رأوه من نسكه وزهده وتقواه) (جريدة الأهرام ٨/٢/١٩٦٧).

– لو كان هذا الكتاب المزيف موجوداً قبل ظهور الإسلام  لما أشار الإسلام إلى وجود قسوس لدى المسيحيين (المائدة) حيث أن هذا الكتاب المزعوم لم يذكر شيئاً عنهم مطلقاً.

– لو كان هذا الكتاب موجود قبل ظهور الإسلام كان لابد للقرآن أن يشير إليه أما مدحاً أو ذماً لأنه يختلف تماماً عن إنجيل المسيحيين.

– لو كان هذا الكتاب موجود قبل ظهور الإسلام كان لابد للمسلمين أن يتمسكوا به وبنصوصه، ولكان أكبر شهادة ودعاية لهم في البلاد المسيحية التي دخلوها ولا استعان به المفسرون. أن جميع المؤرخين المسلمين الذين عاشوا حتى ٧٩٠هـ (القرن الرابع عشر للميلاد تقريباً) سجلوا أن إنجيل المسيحيين هو المكتوب بواسطة متى وماركوس (أي مرقس) ولوقا ويوحنا، ويمكن الرجوع في ذلك إلى (مروج الذهب لأبى الحسن المسعودي جـ ١ص١٦١،البداية والنهاية للإمام عماد الدين جـ٢ص١٠٠ والقول الإبريزي للعلامة أحمد المقريزي ص١٨والتاريخ الكامل لأبن الأثير جـ١ ص١٢٨).

 

(٣) من الناحية المسيحية :
-نسخ الكتاب المقدس الأثرية والكتب الدينية القديمة والجداول التي عملت في القرون الأولى لحصر أسفار الكتاب المقدس وتسجيل محتوياته لا نجد بها ذكراً من بعيد أو قريب لمثل هذا الكتاب.

– أن المسيحيين كانوا منذ القرون الأولى للمسيحية يتعرضون للتهكم والاضطهاد بسبب اعتقادهم أن السيد المسيح هو الرب المتجسد وأنه صلب كفارة عن الخطاة، وهذان الأمران ينكرهما هذا الكتاب المزيف إنكاراً تاماً، وبالتالي لا يبقى لدينا أدنى شك في أن هذا الكتاب لم يكن له وجود في القرون الأولى.

– لو كان لهذا الكتاب وجود في القرون الأولى للميلاد لكان تريفوا اليهودي وكلسس الوثني اللذان هاجما المسيحية بشدة يستخدمانه ولكان يعتبر أقوى وأكبر سلاح هجومي ضد المسيحية. كما أن الأريوسيين الذين أنكروا لاهوت السيد المسيح لم يعتمدوا عليه ولم يذكروه نهائياً. وهذا يؤكد عدم وجوده حينذاك.

– إن المسيحيين، رغم انقسامهم إلى طوائف متعددة منذ أكثر من ألف وخمسمائة عام إلى الآن بسبب اختلافهم في تفسير بعض الآيات التي وردت بالكتاب المقدس (كما يحدث في كل دين من الأديان)، لم تظهر بينهم في أي عصر من العصور طائفة (مهما كان عدد أفرادها) تؤمن بهذا الكتاب.

– العقائد المسيحية التي تناولها بالبحث رجال الفلسفة والدين وأشار إليها علماء التاريخ في كل العصور والبلاد لم يذكر بها أي شيء مما أشار إليه هذا الكتاب المزيف ولم يذكر اسمه أيضاً، مما يؤكد أنه كتاب دخيل كتب في الأزمنة الحديثة بقصد تشويه الحق المسيحي.

– لم يذكره مؤرخو الكنيسة أو غيرهم ولم يقتبس منه أحد على الإطلاق.
من أدلة عدم وجود هذا الكتاب المزيف قبل العصور الوسطى، نذكر منها :
أدلة كثيرة تؤكد عدم وجود هذا الكتاب المزيف قبل العصور الوسطى، نذكر منها:
مائة رطل من العطور:
ذكر الكاتب أن نيقديموس وضع مائة رطل من العطور على جثة يهوذا ظناً أنها ليسوع.
تعليق: من المعلوم أن العثمانيين هم أول من استعملوا الرطل في القرن الرابع عشر ثم نشروا استعماله في البلاد التي فتحوها والبلاد التي كانت تربطهم بها علاقات تجارية مثل إيطاليا وإسبانيا. أما الإنجيل المقدس فيستعمل كلمة المن (يوحنا١٩ :39) وهو أحد الأوزان التي كانت تستعمل قديماً عند اليهود.
النقود والعيار:
ذكر أن السيد المسيح قال إن الصيرفي ينظر في النقود ليرى هل هي من العيار المعهود.
تعليق: الواقع يؤكد أن العثمانيين هم أول من قال بمعيار الذهب، فأطلق على أجود أنواعه كلمة (البندق) ولا يزال البعض يذكرون هذه الأشياء حتى الآن ويعلمون أنها عثمانية.
الترجمة اللاتينية :
من دراسة نصوص الآيات الواردة في هذا الكتاب المزيف نجد أن كاتبها اقتبسها من الترجمة اللاتينية للتوراة والتي لم تظهر إلا في القرن الخامس للميلاد، ولم يستخدم الكاتب المخرف التوراة العبرية التي كتبت قبل الميلاد بمئات السنين أو الترجمة السبعينية التي ظهرت في القرن الثاني للميلاد.

 

مسرحية اكتشاف كتاب برنابا :
– ظهرت النسخة الأصلية لهذا الكتاب في أول الأمر سنة ١٧٠٩م باللغة الإيطالية لدى رجل يدعى (كرامر) كان مستشاراً لملك بروسيا، وبعد أن أهداها هذا الملك الى الأمير أوچـي نساڤوى أودعت بمكتبته بڤيينا سنة ١٨٣٨م ولا تزال محفوظة هناك إلى الآن.

– يقول دكتور (چورچ ستايل) العلامة الإنجليزي- في ترجمته الإنجليزية للقرآن إنه وجد نسخة من هذا الكتاب أيضاً باللغة الإسبانية تكاد تكون معاصرة للنسخة الإيطالية مكتوبة بواسطة شخص يدعى مصطفي العرندى، يقول إنه ترجمها عن النسخة الإيطالية. وقد جاء في مقدمة النسخة الإسبانية أن راهباً يدعى فرامارينو زار سكتوس الخامس بابا رومة سنة ١٥٨٥. فعثر لديه مصادفة على كتاب للقديس ايريانوس يهاجم فيه تعاليم بولس الرسول ويشير الى كتاب يدعى (إنجيل برنابا) المذكور. واتفق أنه أصبح حيناً من الدهر مقرباً من الباب سكتس الخامس فحدث يوماً أنهما دخلا معاً مكتبة البابا فنام البابا فجأة وانتهز الراهب هذه الفرصة وأخذ يبحث في مكتبة البابا، فعثر على هذا (الإنجيل)، وفي الحال خبأه في ردائه وانتظر حتى استيقظ البابا، فاستأذن منه وانصرف. وعندما درس الإنجيل المذكور اعتنق الإسلام.
التعليق: إن قصة العثور على هذا الكتاب إنما هي أشبه ما تكون بالأفلام العربية الساذجة، وذلك للأسباب الآتية:
١- إن مؤلفات إيريانوس لا تزال بين أيدينا حتى الآن، وجميعها تتفق مع الإنجيل الصحيح المتداول بيننا ومع رسائل القديس بولس الرسول.
٢- إن برنابا الحقيقي (كما جاء في الكتاب المقدس) كان قد باع ممتلكاته ووزع ثمنها على الفقراء ثم أتى بعد ذلك ببولس الرسول إلى تلاميذ السيد المسيح وعرفهم به (أعمال لرسل٩:٢٧) بعدما أعلن السيد المسيح ذاته لبولس، بينما كان يسعى لتعذيب المسيحيين(أعمال ٩) وذهب معه للمناداة بالإنجيل في دربة ولسترة وأيقونية وأنطاكية (أعمال١٤:٢٠) وأورشليم (غلاطية٢:١) وتحمل معه آلاماً واضطهادات كثيرة بسبب الخدمة (١كورنثوس٩:٦) ثم خدم بعد ذلك مع القديس مرقس الرسول في قبرص وغيرها من البلاد (أعمال١٥:٣٩) ومن هنا يتضح أن برنابا الحقيقي كان متمسكاً بالحقائق المسيحية حتى نهاية حياته وفي مقدمتها موت السيد المسيح كفارة عن العالم على عود الصليب.
٣- رؤية الراهب فرامارينو مصادفة للكتاب المنسوب إلى إيريانوس، ووقوع ثبات عميق على البابا، ثم عثور فرامارينو هذا على الكتاب (بالصدفة أيضاً) ثم سرقته إياه وهروبه دون أن يراه أحد. كلها أشبه بالقصص التي تحكى للأطفال قبل النوم.

-هل يعقل أن ينام البابا أثناء زيارة أحد الرهبان له؟

-كيف ولماذا يسرق الراهب؟ لقد كان ميسوراً له أن يحصل على الكتاب من البابا أو أن يستعيره منه أو أن يقرأه على دفعات في مكتبة البابا اذا كان البابا يعتز بمثل هذا الكتاب البذيء.

– إن الحقيقة المؤكدة أن هذه القصة كلها لا أساس لها، بل أن كاتب هذا الكتاب المزيف هو يهودي واعتنق الإسلام وأراد أن يدعوا إليه، فاختلق هذه القصة وقام بتأليف هذا الكتاب.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات