٨ – لو كان المصلوب هو المسيح فلماذا لم يستطع أن يخلص نفسه ؟

لو كان المصلوب هو المسيح فلماذا لم يستطع أن يخلص نفسه ؟

التعليق :
((إن صلب السيد المسيح لم يكن مجرد غلطة رهيبة، أو إساءة للعدل شنيعة، أو مهزلة قضائية مروعة، فليس الرومان من قتلوا المسيح، ولا اليهود، بل أن المسيح هو من ((وضع حياته)) وقد أكد أن له سلطاناً أن يفعل ذلك وأن يسترد حياته أيضاً (يو17:10-18).
فلم يكن صلب المسيح حادثاً عرضياً، بل إنه الحدث المركزي في التاريخ كله. إنه المفتاح الذي لابد منه لفهم المسيحية على حقيقتها، كما أنه المفتاح للأجوبة على الأسئلة الاساسية ((من أنا ؟ من أين جئت ؟ إلى أين ذاهب ؟ ولماذا ؟)) (2)

كان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين :«يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!». وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا:«خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ!  قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللهِ، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ اللهِ!». (مت40:27-43)، واقرأ أيضاً (مر29:15-33 ، لو35:23-40)
إن هذا الادعاء ليس بجديد؛ فقد قاله المجدفون والمستهزئون للسيد المسيح نفسه، وقد قال الشيطان للمسيح وقت التجربة (مت3:4-6).
إن المدعين هنا ((علقوا تصديقهم أن المسيح ابن الرب على نزوله عن الصليب، ولكن إن كانت
_____________
(*) من هو المصلوب. د.فريز صموئيل.
(1) المسيح قادم. ص 58.

(2) الجواب النافي. بيتر كوتيريل. دار منهل الحياة. لبنان. سنة 1992. ص 77-78.
كل معجزات التي أتاها لهم على صحة تلك القضية، فكيف تثبتها هذه المعجزة الوحيدة. نعم إن المسيح لم يفعل لهم هذه المعجزة التي طلبوها. ولكن أتاهم بأعظم منها، وهي قيامته من القبر، لأن الانتصار على الموت بعد حدوثه هو أعظم من الهرب منه بنزوله عن الصليب، وأكثر الناس كهؤلاء المجدفين يرغبون في مخلص لا صليب له .. ظنوا عدم تخليصه نفسه نتيجة عجزه واستنتجوا من هذا العجز أن كل ما أظهره من المعجزات هو خداع وسحر لم ينتفع بها في أشد الحاجة إليهما. فما أبعد ظنهم عن الحقيقة، لأن علة عدم تخليص نفسه هو إرادته أن يخلص الآخرين)).

والتساؤل هنا : هل لو خلص المسيح نفسه ونزل من على الصليب كان اليهود يؤمنون ؟
أقول بكل تأكيد : لا. فلقد سبق أن أوضح السيد المسيح ذلك في مثل الغني ولعازر (لو19:16-31)؛ فعندما طلب الغني من إبراهيم أن يرسل لعازر إلى إخوته الخمسة، حتى لا يأتوا إلى موضع العذاب، قال له : عند موسي والأنبياء ليسمعوا منهم. وعندما قال له : إذا مضي إليهم واحد من الأموات يتوبون، قال له : إن كانوا لا يسمعون من موسي والأنبياء ولا إن قام واحد من الأموات يصدقون.

بل إن قيامة لعازر من الموت كانت سبباً في تآمر الفريسيين على المسيح لا سبباً في إيمانهم به، وعند موت السيد المسيح القبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين (مت 52:27-53).
وليس في الكتاب ما يفيد أن شخصاً واحداً آمن نتيجة لقيامتهم. إن الأعمى لا ينفعه تغيير الألوان ما دام لا يقدر أن يري، والذين يحكمون على أنفسهم بالعمي الروحي لا ينفعهم المزيد من الشهود ماداموا لا يريدون أن يؤمنوا))
لقد قالوا، أو ربما وعدوا، أنهم سوف يؤمنون به لو نزل من على الصليب، لكننا نقول بكل إيمان نحن نؤمن به مسيحاً لأنه لم ينزل من على الصليب.

ثم نحن بدورنا نتساءل لماذا لم يخلص المسيح نفسه ؟ … ونجيب :
أ – لأنه لهذا قد جاء، وقد سبق وأخبر بذلك كثيراً (مت17:16-20 .. إلخ)
ب – لأن في الصليب إعلاناً لمحبة الرب المتجسد (يو16:3)
ج – لأنه مسيح بالصليب؛ فقد أتى ليبذل نفسه فدية عن الآخرين.
د – لأنه لا يفعل معجزاته إرضاء لرغبات الآخرين، وهو خاضع لأوامرهم وشهواتهم الكاذبة، بل يفعلها في الوقت المناسب ولهدف معين.

كما أننا نتساءل هل أراد المسيح أن يخلص نفسه ولم يقدر ؟
ما هي الوسيلة التي يمكن أن يلجأ إليها في ذلك الوقت، والتي تتناسب مع عدله وعظمته ؟ وما هي النتيجة التي تعود على البشرية بعد ذلك ؟
لو أراد السيد المسيح النجاة من الصلب والموت، لكان هناك آلاف الوسائل التي كان في إمكانية استخدامها دون اللجوء للطرق التي لا تليق بعظمته وجلاله، والتي تؤدي بالبشرية إلى الضلال. فكان يرفع إلى السماء بصورة جلية واضحة أمام الجميع، كما فعل أخنوخ (تك24:5)، وإيليا (2 مل5:2-11) .. فيتمجد الرب أمام الجميع، ولا يقع الشعب في ضلالة كبري .. ولكن ارادة الرب كانت أن يقدم المسيح ذاته فداء للبشرية

لماذا لم يدافع التلاميذ عن الشخص المقبوض عليه ؟
– قال أحدهم عند القبض على الشخص الذي سوف يصلب، فإن التلاميذ تركوه وهربوا، ولم يدافعوا عنه. وذلك لأنهم قد عرفوا من المسيح عندما أيقظهم من النوم أن الذي سيصلب هو يهوذا (*)

التعليق :
لنا هنا تساؤل : هل كان المسيح محتاجاً إلى من يدافع عنه، وهو المؤيد بالروح القدس. سواء كان الروح القدس هو الرب نفسه حسب إيماننا المسيحي أو كان هو الملاك جبرائيل حسب فكر الآخرين ؟ فاعتقد بأنه كان سيؤيده بالنصر المبين واعتقد أن السؤال يكون صحيحاً لو كان ((لماذا دافع التلاميذ عنه، وخاصة بطرس باستعماله السيف، رغم أن السيد المسيح قد سبق وأنبأ عن موته ؟

– بالرجوع إلى متى 26 نجد محاولة التلاميذ للدفاع عن السيد المسيح وموقف المسيح من هذا (( حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوْا الأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ. وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟)). (مت 26 : 50 – 53)  ونجد في إنجيل يوحنا أيضًا (( ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ، فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ. فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: «اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ! الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟»))(يو10:18-11) ومن هذه النصوص نرى :
1 – إن بطرس – أحد تلاميذ المسيح – حاول الدفاع عنه، ولكن ماذا يفعل هؤلاء في مواجهة جنود مدججين بالسلاح ؟
2 – إن السيد المسيح كان يعرف مسبقاً كل هذا، لذلك حذر تلاميذه من استعمال السيف وأراد أن يحافظ على تلاميذه. ويصور الأستاذ خالد محمد خالد هذا المشهد قائلاً : ((عندما هاجم غوغاء اليهود بستان الزيتون ليقبضوا على المسيح، تقدم من الحرس وسألهم : من تطلبون ؟
أجابوه : يسوع الناصري.
فقال : أنا ولست أسألكم إلا شيئاً واحداً.
____________
(*) المسيح قادم. ص54، 57.
ثم أشار بيد أمينة حانية صوب تلاميذه، الذين كانوا معه في البستان، واستأنف حديثه مع الحرس قائلاً : أن تدعوا هؤلاء يذهبون إلى بيوتهم، حتى أستطيع أن أقول لأبي حين ألقاه ((الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ، وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
أنظروا .. في هذه المباغتة الشريرة المذهلة، لم يذكر نفسه ولا حياته، وإنما ذكر مسئوليته الكبرى نجاة الآخرين. لم يشترط لنفسه نجاة ولا سلامة. إنما اشترطها للآخرين. وذلك كي يستطيع أن يقول لربه حين يلقاه : ((الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ، وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ )) (*)
– فالتلاميذ حاولوا الدفاع عن السيح المسيح، وليس هناك أي دليل على أن السيد المسيح قال لهم عندما أيقظهم من النوم أن الذي سيصلب هو يهوذا.
وإذا كان هناك مثل هذا القول من السيد المسيح لتلاميذه فما هو الداعي أن يتبع بطرس ويوحنا المقبوض عليه إلى دار رئيس الكهنة، وإلى الجلجثة بعد ذلك، حيث تم صلب السيد المسيح ؟
– ثم إذا كان التلاميذ عارفين أن المصلوب هو يهوذا، فكيف أعلنوا عن موت السيد المسيح وقيامته. هل كانوا خادعين أم مخدوعين ؟ (**) وهل يقدم مثل هذا الشخص حياته للموت. في سبيل المناداة بتعليم هو يعلم أنه غير صحيح ؟
– هل كان شهود المحاكمة والصلب أيضاً مخدوعين أن أنهم لم يتعرفوا على الشخص المقبوض عليه ؟ أم أنهم عرفوا وشاركوا في الخدعة الكبرى ؟
لا نستطيع أن نعطي إجابة علة مثل هذه الأسئلة، إلا بالإعلان الصريح أن المصلوب هو السيد المسيح، له كل الإكرام والمجد.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات