٥-نبوات سفر إشعياء عن صلب السيد المسيح

٥-نبوات سفر إشعياء عن صلب السيد المسيح
ومعلوم أن إشعياء يسمي بالنبي الإنجيلي، لأنه تنبأ قبل المسيح بسبعمائة سنة عن جميع حوادث المسيح بالتفصيل :
فتنبأ في إصحاح 7 أن المسيح سيولد متأنساً من مريم العذراء، فقال: وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ». (الذي تفسيره الرب معنا) (إش14:7). وبين أن هذا المولود المتأنس هو الإله القادر على كل شيء فقال :  لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ (إش6:9)
وتنبأ عن يوحنا المعمدان الذي يأتي أمامه : صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: «أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلًا لإِلَهِنَا. (إش3:40)
وتنبأ عن معجزاته فقال : حِينَئِذٍ تَتَفَقَّحُ عُيُونُ الْعُمْيِ، وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ.حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ وَيَتَرَنَّمُ لِسَانُ الأَخْرَسِ. (إش6،5:35)
وتنبأ عن تلاميذه فقال :  صُرَّ الشِّهَادَةَ. اخْتِمِ الشَّرِيعَةَ بِتَلاَمِيذِي. (إش16:8)
وتنبأ عن محاكمته وإهانته فقال : بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ، وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ الْعَارِ وَالْبَصْقِ (إش6:50)
وتحدث إشعياء عن رؤية السيد جالساً على كرسي عال ومرتفع، أهداب رداؤه تملاً الهيكل فصرخ قائلاً : «وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ»  فَطَارَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ السَّرَافِيمِ وَبِيَدِهِ جَمْرَةٌ قَدْ أَخَذَهَا بِمِلْقَطٍ مِنْ عَلَى الْمَذْبَحِ،  وَمَسَّ بِهَا فَمِي وَقَالَ: «إِنَّ هذِهِ قَدْ مَسَّتْ شَفَتَيْكَ، فَانْتُزِعَ إِثْمُكَ، وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ»(إش5:6-7). وكان المذبح الذي رآه رمزاً للصليب الذي ستتمم عليه الكفارة بالمسيح المصلوب.
ولهذا تنبأ إشعياء عن صلب المسيح وموته الكفاري فقال :وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا.(إش5:53)
ولكن مما يؤسف له أن يقول الأستاذ منصور حسين أن الذي سيجرح لأجل معاصينا هو يهوذا !!
وبقليل من الفحص نجد النبوات الواردة في إصحاح 53 لا تنطبق إلا على المسيح. ولهذا سمي هذا الإصحاح جلجثة العهد القديم.
وهذا الأصحاح يتنبأ إشعياء عن ثمانية مواضيع خاصة بشخص المسيح وهي :
1 – نشر دينه بين الأمم
2 – رفضه من اليهود
3 – احتقاره بين الناس
4 – موته الكفاري
5 – صبره العجيب
6 – كماله المطلق
7 – نجاحه في مشروع الفداء
8 – انتصاره الأبدي

أولا : نشر دينه بين الأمم :
كان محرماً على كل اليهود أن يلتصقوا بأحد أجنبي أو يأتوا إليه (أع28:10). ولكن إشعياء تنبأ أن المسيح سينشر دينه بين الأمم، ولا يحصره في الأمة اليهودية، وأن الأمم ستقبل ديانته وتعتمد على اسمه فقال في إشعياء 52 : 13 – 15 : هُوَذَا عَبْدِي (1). يَعْقِلُ (2). يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا (3).   كَمَا انْدَهَشَ مِنْكَ كَثِيرُونَ(4) … هكَذَا يَنْضِحُ أُمَمًا كَثِيرِينَ)) أي يرش على الأمم ماءً طاهراً بمعموديته المباركة كقول حزقيال النبي:وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ.(حزقيال25:36) وكقول السيد المسيح :  فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.(مت28: 19) وكقول القديس بولس الرسول:  لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ. (عب22:10)
ونحن نسأل الكاتب الفذ : كيف ينطبق هذا القول على يهوذا ؟ هل اعتمدت الأمم والشعوب على اسمه ؟ أم اعتمدت على اسم السيد المسيح ؟
فهل نصدق إشعياء النبي وبولس الرسول أم نصدق السيد منصور حسين وأوهامه ؟

ثانياً : رفضه بين الأمم :
قال إشعياء النبي مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟ (إش1:53)
وهذه نبوة صريحة عن عدم إيمان اليهود بالمسيح، كقول القديس يوحنا البشير :  وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، لِيَتِمَّ قَوْلُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الَذي قَالَهُ: «يَا رَبُّ، مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟ وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟» لِهذَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا. (يو 12 : 37 – 39 ) وكقول القديس بولس الرسول : لكِنْ لَيْسَ الْجَمِيعُ قَدْ أَطَاعُوا الإِنْجِيلَ، لأَنَّ إِشَعْيَاءَ يَقُولُ: «يَا رَبُّ مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟» إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ.(رو17،16:10)
ومع هذا فمما يعزينا أن البعض من اليهود والكثرة من الأمم صدقوا الخبر واستعلنت لهم ذراع الرب كقول السيد المسيح (مت26،25:11)
________________
(1) ((هُوَذَا عَبْدِي– أي المسيح، ودعي عبداً لأنه (( إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ)) (في7،6:2) ليؤدي عملية الفداء كقوله (( أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ». ) (مت28:20)

(2) (يَعْقِلُ )) – أي يمتلئ حكمة وفهما كقول إشعياء في موضع آخر. :  وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ، وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ.)) (إش2،1:11) وكقول القديس بولس الرسول (( الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ. )) (كو3:2)
(3) ((يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا ))فهذا التعالي والارتقاء والتسامي هو الذي حدث للمسيح ((  وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ  لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ.)) (في8:2-11)
فليس من المعقول أبداً أن يهوذا الخائن هو الذييتعالى ويرتقي ويتسامى جداً
(4) ((كما أندهش منك كثيرون)) – هذا هو المسيح موضع إعجاب الجميع الذي قيل عنه ((  وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا)) (إش9: 6) عجيباً ولا سيماً في آلامه ((كان مفسداً أكثر من الرجل – لم يكن له منظر لدي اليهود– ولكن بمقدار اندهاش الناس منه لسبب آلامه من شعبه هكذا قبلته أمم كثيرة.
وها هي ذراع الرب تخلص الجنس البشري من الخطية، لا بالوعود البراقة ولكن بالمحبة والفداء بالصليب. الذي هو إعلان ذراع الرب القوية للخلاص. ونحن ننادي به لليهود عثرة ولليونانيين جهالة، كقول القديس بولس الرسول :  فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ (1 كو18:1) فهل الكلام ينطبق على السيد المسيح، كما يعلن الوحي الإلهي، أم ينطبق على يهوذا الخائن كقول الكاتب الفذ ؟

ثالثاً : احتقاره بين الناس :
قال إشعياء :  نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ..(إش3،2:53). إن المسيح قال إن هذه الأقوال هي نبوة عن شخصه الكريم. فقال لتلاميذه ((وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أنه يتألم كثيراً ويرذل)) ؟ (مر12:9)
فاليهود رذلوه واختاروا باراباس اللص عوضاً عنه. وقال يوحنا البشير : إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ.(يو11:1)
أنهم لم يعرفوه على حقيقته، كقول القديس بولس الرسول :  لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ (1 كو8:2)
والسبب لأن المسيح  نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ –في بيت نجار، في قرية الناصرة، رجلاً فقيراً ليس له أين يسند رأسه، أتباعه صيادون، ليس له منظر الملك ولا أبهة الحكم. ولا يتفق مع أمانة الشعب في إنشاء دولة زمنية تحارب وتتوسع لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُرجل أحزان، لا رجل مسرات، حقيقته محجوبة عن وجوهنا فلم نعتد به.
فإن كان المسيح قد خص نبوة إشعياء لنفسه وقد تمت فعلاً، فمن نصدق : المسيح والتاريخ أم الكذب الذي يبتدعه المضللون ؟

رابعاً : موته الكفاري :
قال إشعياء النبي : لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا.وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا.(إش4:53-6)
إن القديس متي البشير بين لنا بوضوح أن قول إشعياء :  لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا هو نبوة عن السيد المسيح، فقال :  وَجَمِيعَ الْمَرْضَى شَفَاهُمْ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: «هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا» (مت17،16:8)
إن السيد المسيح لم يحمل أحزاننا فقط بل حمل نفس الخطية التي سببت لنا الأحزان … فقال القديس بطرس الرسول :الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ. (1 بط24:2)
وقال القديس بولس الرسول : هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ.(عب28:9)
إن السيد المسيح هو الشخصية الوحيدة البريئة من الخطية الذي مات من أجل غيره. وقد ذكر إشعياء في هذا الإصحاح سبع مرات أن السيد المسيح مات من أجل خطايانا.
وقد أشار القديس بولس الرسول إلى هذه الأقوال بقوله : فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ (1 كو3:15) وقوله أيضاً : الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا.(رو 4 : 25 )

وقال القديس بطرس الرسول :فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ(1 بط18:3)
وثمرة هذا الموت النيابي هو السلام والشفاء كقول إشعياء  تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا وقد أشار القديس بطرس الرسول إلى ذلك بقولها الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ. (1 بط24:2)
وكانت النتيجة أيضاً إن رجعنا كخراف ضالة إلى الحظيرة كقول إشعياء النبي كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. وقال في هذا القديس بطرس الرسول : لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ كَخِرَافٍ ضَالَّةٍ، لكِنَّكُمْ رَجَعْتُمُ الآنَ إِلَى رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا. (1 بط25:2)
ولكن ما لا يستسيغه عقل على الإطلاق ما قاله السيد منصور حسين أن يهوذا هو الذي حمل ذنب اليهود وهذا قوله بالحرف الواحد ((وبصلب يهوذا يكون قد حمل وحده في الدنيا وزر الذنب الذي ارتكبه شعب اليهود .. كلهم كغنم ضلوا والرب وضع عليه إثمهم جميعاً)) (صفحة 182)
فهل إذا اشترك اثنان في جريمة وعاقبنا واحداً فقط يتبرر الآخر من العقاب ؟! هل هذا منطقي يا سيادة وكيل النيابة ؟ ومتي قال اليهود السلام والشفاء بموت يهوذا، ولازالت جميع الأجيال تسخط عليهم ؟

خامساً : صبره العجيب :
قال إشعياء النبي : ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ.(إش7:53)
فهنا يتنبأ إشعياء عن صبر السيد المسيح وهدوئه وسط عاصفة الآلام وسكونه وخلوه من الغيظ أو الغضب أو طلب الانتقام. وقد تمت هذه النبوة فعلاً كقول القديس متي البشير :  وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتًا (مت63:26)، وقوله أيضاً :وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. (مت12:27)، وكقول القديس مرقس البشير :  أَمَّا هُوَ فَكَانَ سَاكِتًا وَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ(مر61:14)، وكقول القديس بطرس الرسول :  الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي (1 بط23:2)

سادساً : كماله المطلق :
قال إشعياء النبي:مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟ وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ(إش9،8:53)
هذه النبوة عن اتهامات اليهود للسيد المسيح بأنه خاطئ وأنه يستحق الموت وعن ظنهم أنه بعد موته سيدفنونه مع جثث اللصوص ويقطع وينتهي أمره من بين الناس إلى الأبد ونبوة عن دفن المسيح في قبر غني، وهو الذي قال عنه متي البشير :وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَكَانَ هُوَ أَيْضًا تِلْمِيذًا لِيَسُوعَ… فَأَخَذَ يُوسُفُ الْجَسَدَ وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ، وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ الْجَدِيدِ الَّذِي كَانَ قَدْ نَحَتَهُ فِي الصَّخْرَةِ (مت57:27-60)

كما أنها نبوة تعلن براءة السيد المسيح وكماله المطلق كقوله عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ.
وقد اقتبس القديس بطرس الرسول ذلك في قوله«الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ»،(1 بط22:2)
وقال القديس يوحنا الرسول : وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ. (1 يو5:3)
وقال، له المجد : مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ (يو 8 : 48 )
وقال عنه القديس بولس الرسول :قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ (عب26:7)
ومن غير المعقول أن نقول إن يهوذا هو الذي لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش وهو الخائن الأكبر الذي سلم المسيح لليهود بقبلات الغش نظير ثلاثين من الفضة وقال له السيد المسيح :أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟»(لو48:22)

سابعاً :إتمامه الفداء :
قال إشعياء النبي : أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلًا تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ.(إش10:53)
لقد اهتم الرب بخلاص البشر الساقطين :
قال ميخا النيي : مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ وَصَافِحٌ عَنِ الذَّنْبِ لِبَقِيَّةِ مِيرَاثِهِ! لاَ يَحْفَظُ إِلَى الأَبَدِ غَضَبَهُ، فَإِنَّهُ يُسَرُّ بِالرَّأْفَةِ. (مي18:7)
قال الرب بفم حزقيال النبي:  هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟(حز23:18)
وقال القديس بولس الرسول : الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ. (1 تي4:2)
بديهي أن الإنسان عاجز عن أن يخلص نفسه أو أن يخلصه أي واحد غيره من البشر. ولذلك اختار الآب أن ينفذ ابنه يسوع المسيح الخلاص
قال القديس بطرس الرسول :وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ»(أع12:4)
وقال السيد المسيح له المجد : لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ».(لو10:19)
ولهذا تجسد، وجاء في صورة، بحسب نظرنا، ليس فيها شيء يدل على المظاهر التي تدعو للنجاح، ومع ذلك نجح نجاحاً باهراً
لقد شبه السيد المسيح نفسه بحبة الحنطة فقال :اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ.(يو24:12)
إنه في محبته لنا أحتمل الشيء الكثير. قال :وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ».(يو32:12)
لقد أعلن الوحي الإلهي قائلاً :  لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.  (يو16:3)
فهل هذا الكلام ينطبق على يهوذا يا سادة ؟ وما هو الخلاص الذي تم للبشر على أيدي هذا الرجل الهالك؟

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات