٩ – هل أنكر السيد المسيح أنه هو المصلوب أثناء المحاكمة ؟

هل أنكر السيد المسيح أنه هو المصلوب أثناء المحاكمة ؟
جاء في كتاب المسيح بين الحقائق والأوهام ص76 : ((لقد جاء في كتبهم أن رئيس الكهنة سأل المصلوب قبل تنفيذ الحكم وقال : أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله. قال يسوع : أنت قلت (مت63:26-64). إن قول المصلوب أنت قلت، إنكار لا شك فيه، ولو كان كما يزعمون هو المسيح، لما وسعه إلا بالجواب الصريح، لاسيما ورئيس الكهنة يستحلف بالرب. فهل لا يأته المسيح بالرب العظيم ؟ إن إنكار المصلوب كونه المسيح بعد القسم عليه، لدليل لا شك في كونه غيره)) (*).

 

التعليق :
أولا : أن رئيس الكهنة لم يسأل المصلوب قبل تنفيذ الحكم، ولكن السؤال كان أثناء المحاكمة لإيجاد دليل إتهام له.
ثانياً : لكي تكون الصورة واضحة سوف نذكر النص الكتابي– الذي اقتبس منه – كاملاً لكي نري من خلاله هل أنكر المصلوب أنه هو المسيح ؟
والذين أمسكوا يسوع مضوا به إلى قيافا رئيس الكهنة، حيث اجتمع الكهنة والشيوخ، وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه. فلم يجدوا. ومع أنه جاء شهود زور كثيرون لم يجدوا. وأخيراً تقدم شاهدا زور وقالا : هذا قال إني أقدر أن أنقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام أبنيه. فقال رئيس الكهنة وقال. أما تجيب بشيء. ماذا يشهد به هذان عليك ؟ وأما يسوع فكان ساكتاً. فأجابه رئيس الكهنة وقال : أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا : هل أنت المسيح ابن الله ؟ فقال له يسوع : أنت قلت. وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء، فمزق رئيس الكهنة حينئذ ثيابه قائلاً : قد جدف، ما حاجتنا بعد إلى شهود. ها قد سمعتم تجديفه. ماذا ترون ؟ فأجابوا وقالوا : إنه مستوجب الموت (مت57:26-66). وأنظر (مر53:14-46 ، لو66:22-71). لقد قبضوا على المسيح واقتادوه إلى قيافا رئيس الكهنة، وأمام الاتهامات الموجهة إليه كان يسوع ساكتاً (مت62:26-63). ولم يجب بشيء (مر61:15). فلماذا كان صامتاً ؟ وهل في هذا الصمت دليل على أنه ليس هو المسيح ؟
في أوقات كثيرة كان الصمت أبلغ من الكلام :
____________
(*) المسيح بين الحقائق والأوهام. ص76. وأنظر أيضاً :
1 – المنتخب الجليل. ص308،311 2 – بين المسيحية والإسلام. ص166.
3 – الرد على النصارى. ص74. 4 – الأجوبة الفاخرة. ص56.
5 – الفرق بين المخلوق والخالق. ص47. 6 – دعوة الحق. ص123.
7 – المسيح قادم. ص57.
فهناك صمت القلب المندهش المعجب، وهناك صمت الاحتقار وصمت الخوف وصمت القلب الحزين، وهناك صمت الكارثة أو المأساة. هذا صمت، لأنه لا يوجد كلام، وهذا بعينه كان صمت يسوع، لأنه عرف أنه لا يوجد ارتباط أو تفاهم بينه وبين اليهود. لأن وسائل الاتصال قد انقطعت تماماً؛ فقد أسدلت الكراهية ستاراً حديدياً بينهم وبينه. إنه لموقف مرير أن يجد الإنسان نفسه غير مقتنع بالكلام لأنه لا فائدة منه.

 

ونستطيع أن نضيف أسباباً أخري لهذا الصمت :
1 – لأنه لم يكن لرؤساء الكهنة الحق في الجلوس على كرسي القضاء بسبب مخالفتهم الشريعة في القبض عليه.
2 – لأن محاكمتهم لم تكن قانونية.
(أ) إذ أن التهمة التي وجهوها إليه، وهي التجديف، كان من الواجب أن لا تناقش سراً في بيت، بل أمام الملأ علناً.
(ب) لأنهم استدعوا شهوداً لم يلتقوا به عن قرب، ومن ثم لم يستطيعوا أن يذكروا الأقوال التي خرجت من فمه.
3 – لأن أسئلتهم للسيد المسيح، كانت أسئلة تهكمية، وليست استفزازية والسيد المسيح أرفع من أن يجيب على مثل هذه الأسئلة.
4 – لأن السيد المسيح لم يكن مضطراً للإجابة على أسئلتهم. فالهدف من الأسئلة ليس هو المعرفة، بل ليجدوا ما يشتكوا به عليه، وعندما صرح لهم بأنه هو المسيح لم يؤمنوا. بل قالوا : قد جدف.
5 – لأن المسيح كان عارفاً أنه قد أتت الساعة، وهو الآن في طريقه للصليب، حسب إرادة الرب المحتومة وعلمه السابق.
6 – لأنه لم يكن هناك فائدة من الكلام وأنه مهما قال، فإنه لن يغير من الأمر شيئاً مما قرروه، وقد أضح ذلك بقوله : إن قلت لكم لا تصدقون وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني (لو67:22-68). أي أن الحوار أصبح غير مجد لأنهم سبقوا وقرروا أنه خير أن يموت إنسان واحد عن الشعب (يو14:18).
لهذه الأسباب صمت المسيح أمام الكهنة، ولم يكن صمته إنكاراً منه أنه المسيح.
ولكن عندما وجه قيافا إلى يسوع القسم الأعظم في الدستور العبراني، أستحلفك بالرب الحي لم يكن هناك مفر أن يجيب يسوع وهو اليهودي التقي النقي المحافظ على الشريعة، صوناً لحرمه هذا القسم العظيم. وقد جاء بكتاب المشنا اليهودي : ((إذا قال قائل : أستحلفك بالرب القادر على كل شيء أو بالصباؤوت، أو بالعظيم الرحيم، الطويل الأناة، الكثير الرحمة، أو بأي لقب من الألقاب الإلهية، فإنه كان لزاماً على المسئول أن يجيب)).

ورغم أن صيغة سؤال قيافا قد توحي بأنه لم يأت كاستفهام نزيه غير مغرض .. هل أنت المسيح ؟ أنت السجين الضعيف الذي تخلي عنك الجميع .. إنه سؤال ينم عن السخرية اللاذعة أو الغضب الشديد. ولو أن رئيس الكهنة كان يتكلم ساخراً، إلا أن ما قاله تطابق مع ما كان يقوله رب المجد يسوع عن نفسه.
والنص أنت قلت أو ((أنتم تقولون إني أنا هو)) الذي يقع على الأذن في العصر الحديث موقع المراوغة والتملص، لم يكن فيه شيء من هذا المعني اذي الفكر اليهودي المعاصر للسيد المسيح. فعبارة ((أنت تقول)) كانت الوضع التقليدي الذي يجيب به اليهودي المثقف على السؤال خطير أو حزين.
((أنت قلت))، رد إيجابي به خرج السيد المسيح عن صمته وأجاب رئيس الكهنة بكل حزم عن حقيقة ذاته، له المجد، وهذا القول هو أسلوب الحكيم الذي قل ودل والذي لا يصدر إلا عن نفس راسخة مطمئنة، وفي الوقت نفسه هو تقريع لاذع لرئيس الكهنة يدعوه إلى التفكير والانتباه، لأن حقيقة كون السيد المسيح هو ((ابن الرب)) كانت قد بلغت مسامع هذا الرجل ومسامع الكهنة معاً، وذلك بعد أن أيدها السيد المسيح بالأدلة المعجزية، وأثبتها أيضاً من التوراة التي كانت بين أيديهم (تث42:22-46). ومن ثم لم يكن من الواجب أن تعاد هذه الحقيقة أمامهم مرة أخري.

مما يثبت أن السيد المسيح نفسه هو قائل هذه العبارة أنه قد استعملها في اقواله كثيراً. فلما سأله يهوذا الإسخريوطي في الليلة السابقة للصلب : هل أنا هو – الذي سيسلمك – يا سيدي ؟ أجابه المسيح : أنت قلت (مت25:26).
ولما سأله بيلاطس الوالي أثناء المحاكمة فأنت إذن ملك ؟ أجابه على الفور : أنت قلت (يو38:18).
وكما أوضحنا سابقاً أن السيد المسيح لم يكن مضطراً للإجابة على سؤال رئيس الكهنة، لأن الهدف من السؤال ليس المعرفة، بل ليجدوا ما يشتكون به عليه، لكنه أجاب حتى لا يستنتجوا من سكوته أنه رجع عن دعواه أنه هو المسيح ابن الرب الحي.

ومن الأدلة على أن الشخص الذي يحاكم هو السيد المسيح وليس شخص آخر ما يلي :
1 – إن اليهود فهموا من قوله : أنت قلت أنه هو المسيح، والدليل على ذلك أنهم اتهموه بالتجديف، وقالوا : إنه مستوجب الموت. والسيد المسيح أيد صحة هذا ولم يقل لهم إنهم قد أخطاؤا فهم أقواله.

2 – لو كانت هذه الإجابة تعني الأنكار، لأطلق رؤساء الكهنة سراحه، لأنه بذلك يكون قد أنكر ما يدعيه بكونه هو المسيح، والجماهير التي تبعته على أساس أنه هو المسيح المنتصر كانت ستفارقه، وبذلك تنتهي القضية كلها.

3 – المصلوب يقتبس النبوات التي جاءت عن المسيح في العهد القديم، والتي يعرفها سامعوه جيداً، ومطبقاً إياها على نفسه. فكيف ينكر المتهم أنه هو المسيح، ثم يطبق –في نفس القول – نبوات العهد القديم عن المسيح على نفسه ؟ هذا يؤكد أن هذا الشخص هو المسيح نفسه.

4 – لو كان هذا الشخص هو يهوذا أو غيره، فلما لم يقل لهم صراحة إنه ليس هو المسيح، حتى يطلقوا سراحه، ولا يعطي لهم أية فرصة للالتباس أو التشكك.

5 – ثم أن الأحداث التي تلت ذلك من خلال أقوال وأعمال هذا الشخص تؤكد لنا أنه هو المسيح.
إذاً استخدام هذه المقولة لإثبات أن المصلوب ليس هو المسيح، هي رامية من غير رام، وادعاء كاذب ولا سند له من حقيقة.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات