٨ – لو كان المصلوب هو المسيح فلماذا لم يستطع أن يخلص نفسه ؟

لو كان المصلوب هو المسيح فلماذا لم يستطع أن يخلص نفسه ؟
((إذ كان هو المسيح فلماذا لم يخلص نفسه، حين كان الشعب واقفين ينظرون والرؤساء يسخرون منه معهم قائلين : قد خلص آخرين فليخلص نفسه إن كان هو مسيح الرب المختار حقاً. فلماذا لم يخلص نفسه إذا كان إلهاً أو على الأقل إذا كان عيسى ؟)) (1)

التعليق :
((إن صلب السيد المسيح لم يكن مجرد غلطة رهيبة، أو إساءة للعدل شنيعة، أو مهزلة قضائية مروعة، فليس الرومان من قتلوا المسيح، ولا اليهود، بل أن المسيح هو من ((وضع حياته)) وقد أكد أن له سلطاناً أن يفعل ذلك وأن يسترد حياته أيضاً (يو17:10-18).
فلم يكن صلب المسيح حادثاً عرضياً، بل إنه الحدث المركزي في التاريخ كله. إنه المفتاح الذي لابد منه لفهم المسيحية على حقيقتها، كما أنه المفتاح للأجوبة على الأسئلة الاساسية ((من أنا ؟ من أين جئت ؟ إلى أين ذاهب ؟ ولماذا ؟)) (2)

كان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين :«يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!». وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا:«خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ!  قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللهِ، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ اللهِ!». (مت40:27-43)، واقرأ أيضاً (مر29:15-33 ، لو35:23-40)
إن هذا الادعاء ليس بجديد؛ فقد قاله المجدفون والمستهزئون للسيد المسيح نفسه، وقد قال الشيطان للمسيح وقت التجربة (مت3:4-6).
إن المدعين هنا ((علقوا تصديقهم أن المسيح ابن الرب على نزوله عن الصليب، ولكن إن كانت
_____________
(*) من هو المصلوب. د.فريز صموئيل.
(1) المسيح قادم. ص 58.

(2) الجواب النافي. بيتر كوتيريل. دار منهل الحياة. لبنان. سنة 1992. ص 77-78.
كل معجزات التي أتاها لهم على صحة تلك القضية، فكيف تثبتها هذه المعجزة الوحيدة. نعم إن المسيح لم يفعل لهم هذه المعجزة التي طلبوها. ولكن أتاهم بأعظم منها، وهي قيامته من القبر، لأن الانتصار على الموت بعد حدوثه هو أعظم من الهرب منه بنزوله عن الصليب، وأكثر الناس كهؤلاء المجدفين يرغبون في مخلص لا صليب له .. ظنوا عدم تخليصه نفسه نتيجة عجزه واستنتجوا من هذا العجز أن كل ما أظهره من المعجزات هو خداع وسحر لم ينتفع بها في أشد الحاجة إليهما. فما أبعد ظنهم عن الحقيقة، لأن علة عدم تخليص نفسه هو إرادته أن يخلص الآخرين)).

والتساؤل هنا : هل لو خلص المسيح نفسه ونزل من على الصليب كان اليهود يؤمنون ؟
أقول بكل تأكيد : لا. فلقد سبق أن أوضح السيد المسيح ذلك في مثل الغني ولعازر (لو19:16-31)؛ فعندما طلب الغني من إبراهيم أن يرسل لعازر إلى إخوته الخمسة، حتى لا يأتوا إلى موضع العذاب، قال له : عند موسي والأنبياء ليسمعوا منهم. وعندما قال له : إذا مضي إليهم واحد من الأموات يتوبون، قال له : إن كانوا لا يسمعون من موسي والأنبياء ولا إن قام واحد من الأموات يصدقون.

بل إن قيامة لعازر من الموت كانت سبباً في تآمر الفريسيين على المسيح لا سبباً في إيمانهم به، وعند موت السيد المسيح القبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين (مت 52:27-53).
وليس في الكتاب ما يفيد أن شخصاً واحداً آمن نتيجة لقيامتهم. إن الأعمى لا ينفعه تغيير الألوان ما دام لا يقدر أن يري، والذين يحكمون على أنفسهم بالعمي الروحي لا ينفعهم المزيد من الشهود ماداموا لا يريدون أن يؤمنوا))
لقد قالوا، أو ربما وعدوا، أنهم سوف يؤمنون به لو نزل من على الصليب، لكننا نقول بكل إيمان نحن نؤمن به مسيحاً لأنه لم ينزل من على الصليب.

ثم نحن بدورنا نتساءل لماذا لم يخلص المسيح نفسه ؟ … ونجيب :
أ – لأنه لهذا قد جاء، وقد سبق وأخبر بذلك كثيراً (مت17:16-20 .. إلخ)
ب – لأن في الصليب إعلاناً لمحبة الرب المتجسد (يو16:3)
ج – لأنه مسيح بالصليب؛ فقد أتى ليبذل نفسه فدية عن الآخرين.
د – لأنه لا يفعل معجزاته إرضاء لرغبات الآخرين، وهو خاضع لأوامرهم وشهواتهم الكاذبة، بل يفعلها في الوقت المناسب ولهدف معين.

كما أننا نتساءل هل أراد المسيح أن يخلص نفسه ولم يقدر ؟
ما هي الوسيلة التي يمكن أن يلجأ إليها في ذلك الوقت، والتي تتناسب مع عدله وعظمته ؟ وما هي النتيجة التي تعود على البشرية بعد ذلك ؟
لو أراد السيد المسيح النجاة من الصلب والموت، لكان هناك آلاف الوسائل التي كان في إمكانية استخدامها دون اللجوء للطرق التي لا تليق بعظمته وجلاله، والتي تؤدي بالبشرية إلى الضلال. فكان يرفع إلى السماء بصورة جلية واضحة أمام الجميع، كما فعل أخنوخ (تك24:5)، وإيليا (2 مل5:2-11) .. فيتمجد الرب أمام الجميع، ولا يقع الشعب في ضلالة كبري .. ولكن ارادة الرب كانت أن يقدم المسيح ذاته فداء للبشرية

لماذا لم يدافع التلاميذ عن الشخص المقبوض عليه ؟
– قال أحدهم عند القبض على الشخص الذي سوف يصلب، فإن التلاميذ تركوه وهربوا، ولم يدافعوا عنه. وذلك لأنهم قد عرفوا من المسيح عندما أيقظهم من النوم أن الذي سيصلب هو يهوذا (*)

التعليق :
لنا هنا تساؤل : هل كان المسيح محتاجاً إلى من يدافع عنه، وهو المؤيد بالروح القدس. سواء كان الروح القدس هو الرب نفسه حسب إيماننا المسيحي أو كان هو الملاك جبرائيل حسب فكر الآخرين ؟ فاعتقد بأنه كان سيؤيده بالنصر المبين واعتقد أن السؤال يكون صحيحاً لو كان ((لماذا دافع التلاميذ عنه، وخاصة بطرس باستعماله السيف، رغم أن السيد المسيح قد سبق وأنبأ عن موته ؟

– بالرجوع إلى متى 26 نجد محاولة التلاميذ للدفاع عن السيد المسيح وموقف المسيح من هذا (( حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوْا الأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ. وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟)). (مت 26 : 50 – 53)  ونجد في إنجيل يوحنا أيضًا (( ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ، فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ. فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: «اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ! الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟»))(يو10:18-11) ومن هذه النصوص نرى :
1 – إن بطرس – أحد تلاميذ المسيح – حاول الدفاع عنه، ولكن ماذا يفعل هؤلاء في مواجهة جنود مدججين بالسلاح ؟
2 – إن السيد المسيح كان يعرف مسبقاً كل هذا، لذلك حذر تلاميذه من استعمال السيف وأراد أن يحافظ على تلاميذه. ويصور الأستاذ خالد محمد خالد هذا المشهد قائلاً : ((عندما هاجم غوغاء اليهود بستان الزيتون ليقبضوا على المسيح، تقدم من الحرس وسألهم : من تطلبون ؟
أجابوه : يسوع الناصري.
فقال : أنا ولست أسألكم إلا شيئاً واحداً.
____________
(*) المسيح قادم. ص54، 57.
ثم أشار بيد أمينة حانية صوب تلاميذه، الذين كانوا معه في البستان، واستأنف حديثه مع الحرس قائلاً : أن تدعوا هؤلاء يذهبون إلى بيوتهم، حتى أستطيع أن أقول لأبي حين ألقاه ((الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ، وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
أنظروا .. في هذه المباغتة الشريرة المذهلة، لم يذكر نفسه ولا حياته، وإنما ذكر مسئوليته الكبرى نجاة الآخرين. لم يشترط لنفسه نجاة ولا سلامة. إنما اشترطها للآخرين. وذلك كي يستطيع أن يقول لربه حين يلقاه : ((الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ، وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ )) (*)
– فالتلاميذ حاولوا الدفاع عن السيح المسيح، وليس هناك أي دليل على أن السيد المسيح قال لهم عندما أيقظهم من النوم أن الذي سيصلب هو يهوذا.
وإذا كان هناك مثل هذا القول من السيد المسيح لتلاميذه فما هو الداعي أن يتبع بطرس ويوحنا المقبوض عليه إلى دار رئيس الكهنة، وإلى الجلجثة بعد ذلك، حيث تم صلب السيد المسيح ؟
– ثم إذا كان التلاميذ عارفين أن المصلوب هو يهوذا، فكيف أعلنوا عن موت السيد المسيح وقيامته. هل كانوا خادعين أم مخدوعين ؟ (**) وهل يقدم مثل هذا الشخص حياته للموت. في سبيل المناداة بتعليم هو يعلم أنه غير صحيح ؟
– هل كان شهود المحاكمة والصلب أيضاً مخدوعين أن أنهم لم يتعرفوا على الشخص المقبوض عليه ؟ أم أنهم عرفوا وشاركوا في الخدعة الكبرى ؟
لا نستطيع أن نعطي إجابة علة مثل هذه الأسئلة، إلا بالإعلان الصريح أن المصلوب هو السيد المسيح، له كل الإكرام والمجد.

ستطلبونني ولا تجدونني
كتب م. أحمد عبد الوهاب (***) عن نبوات المسيح بنجاته من القتل :
حدث ذات مرة في إحدى محاولات اصطياده أن أرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خداماً ليمسكوه (( فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا يَسِيرًا بَعْدُ، ثُمَّ أَمْضِي إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي سَتَطْلُبُونَنِي وَلاَ تَجِدُونَنِي، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا». فَقَالَ الْيَهُودُ فِيمَا بَيْنَهُمْ: «إِلَى أَيْنَ هذَا مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ حَتَّى لاَ نَجِدَهُ نَحْنُ؟ أَلَعَلَّهُ مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى شَتَاتِ الْيُونَانِيِّينَ وَيُعَلِّمَ الْيُونَانِيِّينَ؟ مَا هذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَ: سَتَطْلُبُونَنِي وَلاَ تَجِدُونَنِي، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا؟»(يو33:7-36).
____________
(*) معاً على الطريق. ص207-208
(**) مَنْ هو المصلوب. د. فريز صموئيل.
(***) المسيح في مصادر العقيدة المسيحية. ص207-209 وانظر أيضاً سعيد أيوب : المسيح الدخال. الفتح للإعلام العربي. ص39.
لا نظن أحداً يشك في وضوح هذا القول الذي يعني أن اليهود حين يطلبون المسيح لقتله، فلن يجدوه، لأنه سيمضي للذي أرسله، أي سيرفعه الرب إليه، ومن الطبيعي إن يقال أن السماء مكان يعجز اليهود عن بلوغه تعقباً للمسيح.

التعليق :
يقول د. عبد المجيد الشرقي في تعليقه على الردود على موضوع صلب المسيح.
لا يمر منه سوي ما سيحثون عنه فيها، (Filter)((إن أصحاب الردود يقرأون النصوص بواسطة مرشح
وليس ذلك المرشح إلا القوالب الجاهزة التي هيأتها الثقافة العربية الإسلامية تدريجياً لأصحابها، وتحجر فيها النصوص التأسيسية تحجراً لم يسلم منه ألا من عصم ربك ((ويضيف)) وفي خضم هذه الردود التي ينطلق فيها أصحابها من فرضيات غير مصرح بها في كثير من الأحيان، والتي تردد نفس المعاني بألفاظ متقاربة، إن لم تكن نفس الألفاظ، وتبقي في العادة في مستوي شكلي ولا تطرح إشكالية مقنعة)) (1)
هذا هو ما يفعله اليوم كثير من الكتاب في هجومهم على السيد المسيح ومحاولة إثبات ما يريدون من خلال نصوص الكتاب المقدس بطريقة (الانتقائية).
أما بخصوص قول السيد المسيح  سَتَطْلُبُونَنِي وَلاَ تَجِدُونَنِي، فإنه بالرجوع إلى الكتاب المقدس نجد أن المسيح قال هذا القول أو ما يماثله عدة مرات : فقاله لليهود (يو34:7)، (يو21:8)، (يو13:13)، وقال لتلاميذه أيضاً : «وَأَمَّا الآنَ فَأَنَا مَاضٍ إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي(يو5:16). وفي مرة أخيرة قال :خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَيْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ». (يو28:16).

وهنا نرى :
1 – السيد المسيح يتحدث عن ذهابه إلى الأب، وهو لم يحدد الوسيلة التي بها سوف ينطلق من هذا العالم، لذلك فنحن هنا أمام احتمالين :
أ – الاحتمال الأول : موت المسيح على الصليب، وقيامته وصعوده إلى الآب.
ب – الاحتمال الثاني : هو رفع المسيح حياً بالجسد، عند محاولة القبض عليه.
وحيث أن قواعد التفسير تفرض علينا ألا نفسر نصاً بمعزل عن الكتاب كله، لذلك، فالرجوع إلى النصوص الأخرى، نجد أن السيد المسيح قد سبق وأخبر عديداً من المرات عن موته صلباً وبالتالي نجد أن الاحتمال الأول هو الاحتمال الوحيد، أي أن المسيح مضي إلى الآب عن طريق موت الصليب.
___________
(1) الفكر الإسلامي في الرد على النصارى. ص392-394.
2 – إذ نكمل قراءة بقية النص – بعيداً عن الطريقة الاختزالية التي اتبعها الكاتب – نجد ما يؤكد هذا الحق. ففي (يو28:8) قال السيد المسيح لليهود«مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ وهنا يعلن السيد المسيح عن صلبه، وهذه ليست المرة الأولى، فقد سبق وأعلن السيد المسيح في حديثه مع نيقوديموس «وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ(يو14:3-15).
3 – إن طلب اليهود للمسيح هنا ليس محاولة القبض عليه لصلبه، وعند ذلك لا يجدونه لأن الرب قد رفعه، بل هذا الطلب سوف يتم بعد صعود المسيح وعدم وجوده على الأرض، بدليل قول المسيح :«مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ (يو28:8) فاليهود بعد صلب المسيح وقيامته من الموت، عرفوا أن يسوع هذا هو المسيح، وعندما طلبوه أو اشتهوا أن يروه بات هذا الأمر محالاً لأن المسيح ليس على الأرض بل في السماء فطلبهم هنا لشعورهم بالاحتياج إلى السيد المسيح.

ومن المحتمل أن السيد المسيح يتحدث هنا عن الضيقات التي سوف تحل باليهودفي وقت الحصار الروماني لأورشليم، وفي ضيقاتهم يطلبون مسيحهم المنتظر الذي ينقذهم من هذه الضيقات إلى تحيق بهم، ولكنه طلب بعد فوات الفرصة؛ فهم قد رفضوا يسوع المسيح لأنه لم يأت وفقاً لأمالهم المادية، وعندما شعروا بحاجتهم إليه وطلبوه لم يجدوه لأنه ترك الأرض إلى السماء.
4 – عندما قال السيد المسيح هذه الأقوال كانت عسرة الفهم، ليس على كهنة اليهود فقط بل وعلى التلاميذ أيضاً، لاعتقادهم بأن المسيح سوف يحيا ويملك على الأرض إلى الأبد. لذلك تساءلوا : إلى أين سيذهب المسيح ؟ لذلك لا نتعجب إن كان البعض حتى اليوم يسئ فهمها، وإذا كانت صادقة. فنحن نقدم هنا المفهوم الصحيح.
5 – هناك دليل آخر على أنه ليس المقصود بهذا القول على السيد المسيح، وهو أن السيد المسيح قال هذا القول لتلاميذه (يو13:13). فهل كان تلاميذه يطلبون القبض عليه أيضاً. ثم إن المسيح قال لتلاميذه :بَعْدَ قَلِيل لاَ يَرَانِي الْعَالَمُ أَيْضًا، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ.(يو19:14). وهذا ما حدث بعد موت المسيح وقيامته، فقد ظهر لتلاميذه وأتباعه فقط. وبذلك تحققت نبوة المسيح عن قيامته ثم رؤية تلاميذه له. وحيث أن نبوءة المسيح وقيامته كانت دائماً مقترنة بصلبه وموته، وإتمام الثانية يستلزم بالضرورة إتمام الأولي، من هنا يتأكد لنا أن المسيح قد مات على الصليب. ولم يكن المقصود بقوله سَتَطْلُبُونَنِي وَلاَ تَجِدُونَنِي أن الرب قد رفعه وصلب آخر بدلاً عنه (*)

هل الرب يفدي المسيح بغيره ؟
جاء في كتاب دعوي الحق ص 136 ((إن تقدمة إبراهيم لتحوي حقاً وصدقاً الرمز الكامل لما
_____________
(*) مَنْ هو المصلوب
حدث مع المسيح بالنسبة لواقعة الصلب. فكما امتحن الرب إيمان إبراهيم بأن طلب منه أن يذبح ابنه وحيده الذي يحبه، كذلك امتحن الرب إيمان المسيح بأن أعلمه بأنه يريد له أن يصلب. وكما امتثل إبراهيم وابنه لأمر ربهما حتى هم إبراهيم ذبحه، كذلك امتثل المسيح لمشيئة الرب فقال له :وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ» (لو 22 : 42) ، حتي وصل الأعداء يتقدمهم يهوذا الإسخريوطي، إلى المسيح للقبض عليه. وهنا كما منع الرب إبراهيم من ذبح ابنه، بأن ناداه ملاك الرب من السماء، طالباً منه أن يكف عن ذلك، استجاب الرب أيضاً لدعاء مسيحه، فرفعه إليه من بين أعدائه، مخلصاً إياه بذلك من الصلب الذي كان سيقع عليه، تماماً كما خلص الرب ابن إبراهيم من الذبح على النحو المتقدم، وكما ذبح كبش عوضًا عن ابن إبراهيم، فقد صلب الخائن يهوذا بدلاً من المسيح)) (*).
ثم يضيف الكاتب : ((وهكذا كانت تقدمه إبراهيم حقاً وصدقاً، وكما يقولون هي أحد أكمل الرموز الكتابية لما جري مع المسيح بالنسبة لواقعة الصلب، وكما هو واضح ففيها الرمز الكامل لتخليص الرب له من الصلب، وصلب يهوذا الإسخريوطي بدلاص منه. وبغير هذا لا تكون رمزاً بأي حال. كما لا يمكن للرمز ألا يكتمل من وجه ويقال بأنه واحد، هو تخليص ابن إبراهيم وعدم تخليص المسيح، حال أن هذا الوجه هو في الحقيقي الوجه الوحيد أيضاً للرمز في هذه التقدمة)).

التعليق :
إن تقدمة إسحق فعلاً هي أحد أكمل الرموز الكتابية المشيرة إلى الذبيحة العظيمة إلى الذبيحة العظيمة التي قدمت على الصليب في الجلجثة. ففي إسحق نرى صورة الابن في طاعته لأبيه حتى الموت، وفي إبراهيم نرى صورة الآب في بذله لابنه، وكان كل منهما لازماً لتقديم الرمز.
والكاتب هنا جعل من إبراهيم وإسحق معاً رمزاً للمسيح في نفس الوقت.
– فالرب يمتحن إبراهيم بتقديم ابنه، ويمتحن المسيح بتقديم نفسه.
– إبراهيم يمتثل لأمر ربه، والمسيح يمتثل لمشيئة الرب.
ثم يتحول الرمز إلى إسحق .. الرب ينقذ إسحق ويذبح كبش بدلاً عنه، الرب ينقذ السيد المسيح ويصلب يهوذا بدلاً عنه، فالكاتب هنا يخلط الأمور في سبيل تأييد آرائه.
لأننا إذا جعلنا إبراهيم رمزاً للمسيح من ناحية الإيمان، نرى أن هناك فرقاً في تعبير الوحي عن موقف الرب إزاء كل منهما، فبينما يسجل أن الرب امتحن إبراهيم بتقديم ابنه ذبيحة (تك1:22)، لا يذكر مطلقاً أن الرب امتحن المسيح بتقديم نفسه على الصليب.
فصلب السيد المسيح لم يكن امتحاناً للإيمان، بل كان إتماماً للمقاصد الإلهية.
أ – أعلنته نبوات العهد القديم بوضوح.
ب – أعلن عنه السيد المسيح عديداً من المرات قبا صلبه وبعد قيامته.
ولا يمكن أن يعلن ويتنبأ السيد المسيح عم موته، ثم تكشف الأحداث بعد ذلك عن عدم صحة هذه النبوات، وأنها مع نبوات العهد القديم كانت مجرد امتحان إيمان.

إن إسحق كان رمزًا للمسيح. ويجب أن يكون واضحًا نصب عيوننا أن الرمز لا يكون مثل المزمور إليه من كل الوجوه. وإلا لكان الأول هو عين الثاني وأن الشبه بين إسحق والمسيح ينحصر في أمرين :
1 – الطاعة المطلقة : فإن إسحق أطاع أباه، والمسيح من ناحية كونه إنساناً أطاع.
2 – العودة إلى عالم الأحياء : بعد موت شرعي لإسحق، وموت فعلى للمسيح.
ولا سيبل لاعتبار أن إنقاذ السيد المسيح من الموت هو الوجه الوحيد للرمز في هذه التقدمة. كما أن إنقاذ إسحق من الموت ليس دليلاً على عدم موت السيد المسيح، لأنه لا يكفي تشابه واحد بين المرموز والمرموز إليه. ولا يمكن أن يكون المثال أو الرمز كالحقيقة في كل شيء؛ وإلا فلا يكون المثال مثالاً.
وكما يقول د. أحمد ماهر البقري : ((القاعدة البيانية في التشبيه أن المشبه لا يكون مثل المشبه به في كل دقيقة، ولكن وجه شبه واحد بينهما، فإذا قلت : انه كالأسد، فليس معنى ذلك أنه يعيش في غابة مثلاً أو أنه ذو لبد. وإنما يكفي أن يكون وجه الشبه الشجاعة)) (*).
أي أنه يكفي للشبه بين إسحق والمسيح، وحتى يكتمل الرمز، أن يكون كل منهما مطيعاً، فإسحق قد أطاع والمسيح قيل عنه : وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. (في8:2).

بل إن عدم موت إسحق على المذبح لا يعني بالمرة عدم اكتمال الرمز، ((لأن السيد المسيح نفسه جعل يونان النبي بخروجه من بطن الحوت (مع أنه لم يمت في بطن الحوت) مثالاً لقيامته المجيدة، فقال :  لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال.(مت40:12).
فليس من الضروري أن يكون ((المثال كالحقيقة في كل شيء وإلا فلا يكون المثال مثالاً)).
مما سبق نرى أنه لا يوجد أي دليل من خلال تقدمة إبراهيم لابنه إسحق على أن المصلوب هو يهوذا وليس المسيح)).
هل في إنكار بطرس للمصلوب إعلان عن صلب شخص غيره ؟
جاء في كتاب المسيح بين الحقائق والأوهام ص175. وفي كتب أخرى (**) ((أن بطرس رئيس
___________
(*) الإسلام والحق. د. أحمد ماهر. المكتب الجامعي الحديث. إسكندرية. ط1 سنة 1984. ص27.
(**) المكتبات والأسواق مليئة بالكتب التي تنقل عن بعضها والفرق الوحيد بين كتال وآخر هو كمية الشتائم الموجه ضد المسيحية والمسيحيين. وفي هذا الموضوع أنظر أيضاً :
أ – الأديان في القرآن. د. محمود الشريف. ط4. جار المعارف. ص109. ب – المسيح قادم. ص56-57.
ج – المسيح في مصادر العقيدة المسيحية. ص154-158. د- دعوة الحق. ص123.
ه – المسيح والمسيحية والإسلام. ص190.
الحواريين (*)، كان يحلف أنه لا يعرف المصلوب؛ فقد سألته امرأة عن المقبوض عليه فأنكر بقسم إني لست أعرف الرجل (مت72:26) .. ولا يستطيع أن ينكر مسيحي أن بطرس رئيس الحواريين كان صادقاً حين أقسم أنه لا يعرف المصلوب، وأننا نتهم بطرس باطلاً بعدم الإيمان، إذا قلنا إن سيد يسوع يهان على الصليب وهو يتهرب ويخاف من الناس، مع ما له من السلطة العظيمة التي أعطاها إياه المسيح .. وبما أن بطرس لا يجوز مطلقاً أن يحلف كذباً، لأنه يعتبر أعظم مسيحي أنجبته المسيحية، فهو إذن صادق، ويكون المصلوب لا يعرفه، ولزم أن يكون غير المسيح)).

التعليق :
جاء في (مر66:14-73) وَبَيْنَمَا كَانَ بُطْرُسُ فِي الدَّارِ أَسْفَلَ جَاءَتْ إِحْدَى جَوَارِي رَئِيسِ الْكَهَنَةِ. فَلَمَّا رَأَتْ بُطْرُسَ يَسْتَدْفِئُ، نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَقَالَتْ: «وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ!» فَأَنْكَرَ قَائِلًا: «لَسْتُ أَدْرِي وَلاَ أَفْهَمُ مَا تَقُولِينَ!» وَخَرَجَ خَارِجًا إِلَى الدِّهْلِيزِ، فَصَاحَ الدِّيكُ. فَرَأَتْهُ الْجَارِيَةُ أَيْضًا وَابْتَدَأَتْ تَقُولُ لِلْحَاضِرِينَ: «إِنَّ هذَا مِنْهُمْ!» فَأَنْكَرَ أَيْضًا. وَبَعْدَ قَلِيل أَيْضًا قَالَ الْحَاضِرُونَ لِبُطْرُسَ: «حَقًّا أَنْتَ مِنْهُمْ، لأَنَّكَ جَلِيلِيٌّ أَيْضًا وَلُغَتُكَ تُشْبِهُ لُغَتَهُمْ!». فَابْتَدَأَ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: «إِنِّي لاَ أَعْرِفُ هذَا الرَّجُلَ الَّذِي تَقُولُونَ عَنْهُ!» وَصَاحَ الدِّيكُ ثَانِيَةً، فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ الْقَوْلَ الَّذِي قَالَهُ لَهُ يَسُوعُ: «إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ، تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ» (**).فَلَمَّا تَفَكَّرَ بِهِ بَكَى. (وأنظر أيضاً مت69:26-75 ، لو55:22-63 ، يو15:17-18).
– إن الرسل وكتبة الإنجيل لم يلقوا أستاراً على عيوبهم، بل سجلوها على أنفسهم كما هي. ومن العجيب أن الكاتب الذي عني بتسجيل خطية بطرس بإفاضة هو مرقس، أقرب الكتاب إلى قلب بطرس. وهذا أكبر دليل على أنهم رواة صادقون، لا يعرفون في حمل سيف الحق مواربة، ولو كان هذا السيف يقطع رقابهم، ويودي بحياتهم.
وبدراسة هذا الموضوع من خلال نصوص الإنجيل بعيداً عن التحايل والافتراء، نري أن إنكار بطرس هنا لا يعني عدم المعرفة أو أن هذا الشخص المقبوض عليه ليس هو السيد المسيح، بل أنه إنكار بسبب الخوف. والأدلة على هذا :
1 – إن السيد المسيح قد سبق وأنبأ بأن بطرس سوف ينكره، ففي (مت31:26-35) قال السيد المسيح لبطرس : «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ».(أنظر أيضاً مر27:14-31 ، لو27:22-34 ، يو15:18-18).
______________
(*) لم يكن القديس العظيم بطرس الرسول رئيساً للتلاميذ. بل أنه أعلن في مرقس 9 : 35 : «إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ»..
(**) لا يستطيع أحد أن يقرأ هذه الآيات دون أن يؤخذ بالصراحة الساطعة والصدق الناصع للعهد الجديد، فلو كانت هناك حادثة تستحق أن تواري عن مسامع الناس، فإن هذه الحادثة أولي بالإخفاء، ولكن صدق الإنجيل يظهر من رواية هذه الحادثة في بشاعتها وخزيها.
فالسيد المسيح قد تنبأ بهذا الإنكار، وقد تمت هذه النبوة حرفياً، لأن السيد المسيح كان عارفاً بضعفات تلاميذه، وقد قال لبطرس : هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ!  وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ – من حالة ضعف الإيمان والشك والإنكار – ثَبِّتْ إِخْوَتَك (لو31:22-32). وعندما أخبر السيد المسيح بطرس مسبقاً بهذا الأمر. قال بطرس «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!».(مر31:14). كان على بطرس تصديق أن السيد المسيح يعرق أكثر مما يعرف هو .. إنه يسهل على الإنسان ذكر الموت بشجاعة والموت بعيد عنه، ولكن متي لاقي الموت وجهاً لوجه جبن وخاف أشد الخوف .. ولعل بطرس قال في نفسه : إقراري بالسيد المسيح يضرني ولا ينفعه.

2 – إن بطرس كان متأكداً أن الشخص الذي قبض عليه هو السيد المسيح، والدليل على ذلك دفاعه عنه، فقد : كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ، فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ. فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: «اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ! الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟». (يو10:18-11). فلو لم يكن الشخص المقبوض عليه هو السيد المسيح لما دافع بطرس عنه، والحوار واضح أنه كان بين السيد المسيح وبطرس.

3 – إن بطرس قد تبع السيد المسيح بعد القبض عليه ودخل إلى دار الكهنة (لو15:22-17) أي لم يحدث تغيير للشخص المقبوض عليه.

4 – أما القول بأن بطرس لا يجوز مطلقاً أن يحلف كذباً، لأنه يعتبر أعظم مسيحي أنجبته المسيحية، فهو كان صادقاً حين أقسم أنه لا يعرف المصلوب، فهو قول غير صحيح لأنه لا يوجد إنسان معصوم من الخطأ والخطية. وكما أوضحنا سابقاً، فالسيد المسيح كان عارفاً بضعف بطرس وحذره من ذلك. والكتاب المقدس عندما سجل أحداث هذه القصة سجلها كما حدثت وليس كما يجب أن تحدث في صورتها المثالية، ولا تبني عقيدة على تصرف خاطئ من شخص. فبطرس عندما رأيفي اعترافه بأنه تلميذ للمسيح – الشخص الذي يحاكم في ذلك الوقت – ما يعرضه للخطر، أنكر أنه يعرفه، أي أنه أنكر أنه تلميذ للمسيح فقط قالوا له ألست أنت أيضاً من تلاميذه فأنكر ذلك وقال لست أنا (يو25:18).
فلم يكن السؤال هل هذا هو السيد المسيح أم لا ؟ ولكن الاتهام كان موجهاً إلى بطرس أنه من أتباع المسيح. والانكار كان بسبب الخوف، وليس له أي دليل بالمرة على أن هذا الشخص – الذي يحاكم – ليس هو المسيح.

5 – لو فرضنا أن الشخص المقبوض عليه ليس هو السيد المسيح، بل يهوذا، فهل لا يعرف بطرس يهوذا حتى يقول إني لست أعرف الرجل (مت73:26) وهما معاً لعدة سنوات ؟

6 – الأحداث التي تلت تؤكد أن هذا الشخص هو السيد المسيح. فبعد أن أنكر بطرس  صَاحَ الدِّيكُ.  فَالْتَفَتَ الرَّبُّ وَنَظَرَ إِلَى بُطْرُسَ، فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ الرَّبِّ، كَيْفَ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ» فَخَرَجَ بُطْرُسُ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا. (لو60:22-62). فعندما نظر السيد المسيح إلى بطرس كان في نظرته تذكير له بنبوته السابقة، وتبكيت على هذا الإنكار، وربما أظهر السيد المسيح في هذه النظرة شفقة وحزناً على بطرس، فخرج إلى خارج وبكي. فلو لم يكن هذا الشخص هو السيد المسيح لما نظر إلى بطرس معاتباً، ولما تأثر بطرس بهذه النظرة. ولو كان هذا الشخص غير السيد (*) المسيح، ألم يتعرف بطرس عليه عندما تلاقت عيونهما وعند ذلك ما كان له أن يخرج ليبكي ندماً على إنكاره لسيده، وقد أعلن له من قبل «وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ!».. «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!»(مر14 : 29 ، 31).

7 – إن شهادة بطرس في كرازته عن موت المسيح وقيامته هي خير برهان على أنه كان متأكداً من ذلك. فقد وعظ اليهود قائلاً : «أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ ... هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ.،  اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضًا أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ.(أع22:2-24).
فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا». (أع 36:2).
  إِنَّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، إِلهَ آبَائِنَا، مَجَّدَ فَتَاهُ يَسُوعَ، الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلاَطُسَ، وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلاَقِهِ. وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ. وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذلِكَ.(أع13:3-15). (اقرأ أيضاً أع2:4،10 ، أع30:5-32 ، أع39:10-40).
وفي رسالته تحدث عن موت السيد المسيح قائلاً :عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفني عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ،بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ،  مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ(1 بط18:1-20).
(اقرأ أيضاً 1 بط18:3 ، 21:2،24 ، 5:5).
لقد تم صلب السيد المسيح وأعلن عن بطرس، وشهد له، وجعله أساس الإيمان المسيحي ؟ ولو كان المصلوب شخصاً آخر، فمن يصدق أن بطرس يقدم حياته للموت وهو عالم أن المصلوب ليس هو المسيح ؟
ما أسهل إلقاء القول على عواهنه بدون دليل أو برهان وماذا نقول لأناس ينكرون الشمس في رابعة النهار ؟
____________
(*) من هو المصلوب.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات