٧ – هل حقاً كان السيد المسيح يرفض فكرة موته ؟

هل حقاً كان السيد المسيح يرفض فكرة موته ؟
جاء في كتاب المسيح في مصادر العقيدة المسيحية ص202-206 أن السيد المسيح كان يرفض كل محاولات قتله

التعليق :
لا. لم يكن السيد المسيح رافضاً لفكرة قتله، مستنكراً إياها. وبالرجوع إلى الكتاب المقدس نجد أن السيد المسيح قد أعلن عن موته، ومنذ بدء خدمته وهو يترقب ساعة موته، وقد قدم نبوات واضحة عن حادثة موته.
ومما لا شك فيه أنه من خلال هذه النبوات الصريحة والتلميحات الواضحة نجد أن السيد المسيح كان عارفاً ومتوقعاً وغير رافض لموته وأن الصليب كان له مركزية واضحة في فكره، لأنه قد عرف أنه سيموت ليس لكونه ضحية لا حول له بسبب قوي الشر المحتشدة ضده أو بسبب مصير محتم كتب عليه، وإنما لكونه قد تبني بمحض حريته هو تخليص الخطاة، كما أعلن الكتاب المقدس، هذه كانت نظرة الرب يسوع إلى موته، كان بذل حياته في النهاية هو الساعة التي جاء من أجلها إلى العالم.
وقد انعكس هذا الفكر على كتبة أسفار الكتاب المقدس والكنيسة المسيحيةعلى مر العصور، فشهدوا في كل ما كتبوه عن حقيقة موت وقيامة المسيح
إن المسيح لم يشهد لحقيقة موته قبل الصليب فقط، ولكن أيضاً بعد قيامته من الموت قد شهد وأعلن بوضوح أنه صلب ومات. كما ذكرنا سابقاً :

أحداث القبض على السيد المسيح تؤكد أنه هو المصلوب وليس آخر :
جاء في (مت45:26-56) بعد صلاة المسيح في جثسيماني أن السيد المسيح جاء إلى تلاميذه وقال لهم : ناموا الآن واستريحوا. هوذا الساعة قد اقتربت وابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة، قوموا ننطلق. هوذا الذي يسلمني قد أقترب. وفيما هو يتكلم إذا يهوذا أحد الاثني عشر قد جاء ومعه جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلاً : الذي أقبله هو هو. أمسكوه. فللوقت تقدم إلى يسوع وقال : السلام لك يا سيدي وقبله. فقال له يسوع : يا صاحب لماذا جئت ؟ حينئذ تقدموا وألقوا الأيادي على يسوع وأمسكوه. وإذا واحد من الذين مع يسوع مد يده واستل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه. فقال له يسوع : رد سيفك إلى مكانه لأن الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون، أتظن إني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة. فكيف تكمل الكتب ؟ انه هكذا ينبغي أن يكون. في تلك الساعة. قال يسوع للجموع : كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني، كل يوم كنت أجلس معكم أعلم في الهيكل ولم تمسكوني. وأما هذا كله فقد كان لكي تكمل كتب الأنبياء. حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا (مر41:14-50 ، لو46:12-53 ، يو1:18-11)

وفي (لو51:22) فأجاب يسوع وقال دعوا إلى هذه. ولمس أذنه وأبرأها
وفي (يو7:18-11) فسألهم أيضاً من تطلبون ؟ فقالوا يسوع الناصري. أجاب يسوع : قد قلت لكم إني أنا هو. فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون. ليتم القول الذي قاله إن الذين أعطيتني لم أهلك منهم أحداً، ثم إن سمعان بطرس كان معه سيف فاستله وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه اليمني. وكان اسم العبد ملخس. فقال يسوع بطرس : اجعل سيفك في الغمد، الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها.

من النصوص السابقة نري :
1 – أن السيد المسيح يعلن أن ساعته قد اقتربت، وأنه سوف يسلم إلى أيدي الخطاة، ويعلن أن الذي سوف يسلم ابن الإنسان (*)، وهو لقب السيد المسيح المفضل لنفسه، وهذه نبوة من المسيح أن المصلوب هو نفسه، ولا يمكن أن يكون المسيح كاذباً.

2 – عندما قبض على السيد المسيح، واستل بطرس سيفه، قال له : رد سيفك إلى الغمد؛ وهذا برهان على أنه هو المسيح، الذي كانت دعوته تحض على محبة الأعداء وعدم مقاومة العنف بالعنف. ولو أنه شخص غير المسيح، ووجد من يدافع عنه ويمنع أعداءه من القبض عليه، فهل كان ينهره ويحذره ويمنعه من الدفاع عنه ؟ بالطبع كلا.

3 – قول السيد المسيح لبطرس : أتظن إني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة. وهذا يؤكد أن هذا الشخص هو المسيح الذي تحدث كثيراً عن الرب كأبيه. ولو كان هذا الشخص المقبوض عليه هو يهوذا، والذي يقف الآن موقف الخيانة، هل كان يستطيع أن يقول عن الرب إنه أبوه.

4 – قول السيد المسيح لبطرس أيضاً : الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها (يو11:18). وهذا هو نفس القول الذي قاله السيد المسيح في صلاته في البستان قبل مجيء الجنود للقبض عليه. مما يؤكد أن المقبوض عليه هو ذات الشخص، أي السيد المسيح.

5 – قول السيد المسيح للذين أتوا للقبض عليه : كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني. كل يوم كنت أجلس معكم أعلم في الهيكل ولم تمسكوني. وهذا برهان على أنه المسيح. فكم من المرات كان في الهيكل محاوراً ومعلماً وشافياً لمرضاهم (مت54:13 ، لو16:4 ، يو18:7 ، يو2:8 ، يو22:10-23). فهل غير المسيح كان لهم معلماً بهتوا من تعليمه ؟ لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة (مت29:7). وهل لو كان المقبوض عليه أي شخص آخر (يهوذا أو واحد من التلاميذ) كان يستطيع أن يقول مثل هذا القول ؟.
إن أقوال وأعمال الشخص المقبوض عليه تؤكد أنه السيد المسيح وأنه لم يهرب أو يرفع حتى تم إلقاء القبض عليه.
هل حقاً أن كلمات بولس الرسول تعلن أنه لا موت حقيقي ولا صلب ؟
يقول صاحب كتاب الفارق بين المخلوق والخالق في ص474 ما يلي من أقوال القديس بولس الرسول :
1 –في غلاطية : أنتم الذين رسم يسوع بينكم مصلوباً.
_______________
(*) أما عبارة ابن الإنسان فتعبير أختص به عيسي (ع). د. فؤاد حسنين على. التوراة الهيروغليفية. دار الكتاب العربي. ص179.
2 –في رومية :الله الذي أرسل ابنه في شبه جسد الخطية .. نحن بشبه موته .. قد صرنا متحدين معه بشبه موته
يستفاد من مجموع الأقوال السابقة بأن الصلب والقتل ليسا بحقيقتين، وأن المسيح لم يصلب ولم يقتل، وإنما ذلك مجاز عن الشبه والمصلوب رسم هيكله، لا ذات حقيقته)) (27)
التعليق :
إذ نعرف المعني والتفسير الصحيح لهذه النصوص الكتابية، نجد أنها لا تعني ما ذهب إليه الكاتب بالمرة.
1 – (غل1:3-2) أيها الغلاطيون الأغبياء من رقاكم حتى لا تذعنوا للحق وأنتم الذين أمام عيونكم قد رسم يسوع المسيح بينكم مصلوباً.
إن القديس بولس الرسول في هذا الأصحاح وما يليه يتحدث عن غفران الخطايا، هل هو بأعمال الناموس أم بموت المسيح الفدائي، ويذكر الغلاطيين بحقيقة مول السيد المسيح، وأن الأمم غير ملزمين بالختان اليهودي أو حفظ الناموس، وأن خلاصهم هو بالإيمان ((بموت المسيح)) ويستعمل تعبيراً ينم عن سخطه المتسم بالدهشة، ويتهم الغلاطيين بالغباء، ويستعمل مرتين كلمة ((حمقي)) ويسألهم عمن ((رقاهم))، لأن سلوكهم الحالي يتنافى تماماً مع ما سمعوه من بولس وبرنابا. لذلك ذكرهم بكرازته حين كان معهم، حيث قام جهاراً برسم يسوع المسيح أمام عيونهم باعتباره أنه صلب من أجلهم. فكيف استطاعوا أن يتصوروا بعد أن بدأوا حياتهم المسيحية بالإيمان بالمسيح المصلوب، أنهم يحتاجون إلى متابعتها بإنجازهم الخاص ؟ ويستخدم القديس بولس الرسول فعل ((بروغرافو)) وهو يعني عادة كتب سابقاً، كما قد كتبت (أف3:3). لكن((قدام)) في المكان. قدام عيونكم..Pro((غرافوا)) يمكن أن يعني أحياناً يرسم أو يصور. ويمكن أن تعني البادئة
وهكذا فإن بولس يشبه كرازته بلوحة زيتية ضخمة أو بلوحة إعلان تعرض إعلاناً على الملأ، أما موضوع لوحته الزيتية أو لوحة إعلانه، فكان يسوع المسيح على الصليب، بالطبع لم تكن لوحة زيتية بالمعني الحرفي، فالصورة رسمت بالكلمات، لكنها كانت مرئية وحيوية في مخاطبتها للمخيلة حتى أن لوحة الإعلان عرضت قدام عيونكم))
– إن ((كلمة رسم)) هي ترجمة لكلمة يونانية، مركبة من مقطعين ((برو))، ((غرافي)) المقطع الأول : ((برو)) يحمل معني ((زمن مضي)). والمقطع الثاني : ((غرافي)) يحمل معني ((بروز واضح بالكتاب أو بالرسم أو بالنقش)).

وقد وردت هذه الكلمة ((بروغرافي)) أيضاً في أقوال القديس بولس الرسول مترجمة سبق فكتب لأجل تعليمنا (رو4:15). وحيث أن ما يكتب وما يرسم وما ينقش هو الطبعة شكل بارز واضح
وجلي أمام العيون، لذلك تكون الكلمة :
رسم : بمعني ما سبق أن أعلنه الرسول من التعليم، لا في صورة فوتوغرافية، ولا في شكل
أما التعليم الذي رسم بالصورة التي وصفت سابقاً بين أولئك الغلاطيين فهو :
((يسوع المسيح مصلوباً)) هذا هو التعليم الذي سبق الرسول فرسمه أمام عيون الغلاطيين بلا تحفظ، وهو الموضوع الذي اتخذه شعاراً له في كرازته وتعليمه .. وكانت كرازته تعليماً بارزاً واضحاً جلياً، يمكن أن يقال معه إنه رسم في مخيلتهم ونقش في عقولهم أمام أبصارهم صورة بارزة للمسيح المصلوب))
إن كاتب رسالة غلاطية هو الرسول بولس، وهو يؤكد في رسائله حقيقة موت المسيح وقيامته، ولا يمكن أن يناقض الرسول نفسه، بل في نفس الرسالة نجد الكثير من الآيات التي تؤكد حقيقة

موت المسيح :
(غل1:1) بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح والله الآب الذي أقامه من الأموات.
(غل3:1-4) نعمة لكم وسلام من الله الآب ومن ربنا يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجل خطايانا لينقذنا من العالم الحاضر الشرير.
(غل20:2-21) مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في. فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان .. إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي .. لأنه إن كان بالناموس بر فالمسيح مات بلا سبب.

(غل14:6) أما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح.
– أما النص الثاني الذي استخدمه الكاتب. فهو من جاء في (رو5:6) لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير بقيامته.
(رو3:8) أرسل الله ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد.
اعتقد أن سبب سوء الفهم هنا – إذا افترضنا حسن النية – هو عدم وضوح الترجمة العربية (ترجمة فانديك). ولقد أوضحت الترجمات العربية الجديدة المعني المقصود.
(رو5:6) فإذا كنا اتحدنا به في موت يشبه موته، فكذلك نتحد به في قيامته.
(رو3:8) أرسل الرب ابنه في جسد يشبه جسدنا الخاطئ كفارة للخطية، فحكم على الخطية في الجسد.
وبالرجوع إلى رسالة رومية نجد الكثير من النصوص التي توضح وتؤكد موت المسيح على الصليب ليس بشبه جسد وليس بشبيه آخر، منها :
(رو8:5-10) الله بين محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا .. صولحنا مع الله بموت ابنه.
(رو34:8) من الذي يدين ؟ المسيح هو الذي مات، بل بالحري قام أيضاً.
وأيضاً (رو4:1 ، 24:3-25 ، 25:4 ، 6:5-10 ، 4:6-10 ، 32:8-34 ، 15:14).
بهذا يتضح لنا أن النصوص (*) السابقة لا علاقة لها البتة بعدم موت المسيح، بل أن النصين يؤكدان أن المسيح أن المسيح هو الذي مات وقام.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات