٥ – تكملة اعتراضات في قضية صلب السيد المسيح

هل من الممكن أن يلقي الرب شبه المسيح على يهوذا ؟
((إنه من التجديف الصريح على الرب أن يظن، وهو الأمين المنزه عن الكذب، أنه قد خدع الناس، فغير شكل يهوذا إلى شكل المسيح، وبذلك غرر بملايين البشر على مدي القرون، الأمر الذي يقود الناس إلى الاعتقاد بأن الرب لن يعاقب الناس أيضاً على ما اقترفوه من خداع، فقد سبقهم – حاشاه جل شأنه –في عمل أكبر خدعة في التاريخ، وهي خدعة تغيير شكل يهوذا إلى شكل المسيح))
وعندما واجهت الرازي المفسر المعروف مشكلة إلقاء شبه المسيح على يهوذا قال : في إلقاء شبهه على الغير إشكالات :

الإشكال الأول :
لو أجزنا إلقاء شبه إنسان على إنسان آخر لزم السفسطة، فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً، فحينئذ أجوز أن يكون هذا الذي رأيته ثانياً ليس بولدي بل هو إنسان ألقي شبه عليه، وحينئذ يرتفع الأمان على المحسوسات. أيضاً فالصحابة الذين رأوا محمداً ((صلعم)) يأمرهم وينهاهم وجب أن لا يعرفوه أنه محمد لاحتمال أنه ألقي شبهه على غيره، وذلك يفضي إلى سقوط الشرائع.
وأيضاً فمدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس، فإذا
_______________
(1) المسيحية. د. أحمد شلبي. مكتبة النهضة المصرية، ط6. سنة 1978. ص42-43 أنظر أيضاً :
أ – محاضرات في النصرانية. الشيخ محمود أبر زهرة. دار الفكر العربي. ط4. سنة 1972. ص24-26.
ب – عقائد النصارى الموحدين. حسني يوسف الأطير. دار الأنصار. ط1. سنة 1958. ص243-245.
ج – دعوة الحق. عبد العزيز حسين. ط3. سنة 1994. ص27-30. 12.
(2) المسيح والمسيحية والإسلام. د. عبد الغني عبود. دار الفكر العربي. ط1. سنة 1984، ص189.
جاز وقوع الغلط في المبصرات كان سقوط خبر المتواتر أولي. وبالجملة ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخر إبطال النبوات بالكلية.

الإشكال الثاني :
وهو أن الرب تعالى كان قد أمر جبريل عليه السالم بأن يكون معه في أكثر الأحوال، هكذا قال المفسرون في تفسير قوله تعالى((إذ أيدتك بروح القدس)) (المائدة 5 : 110)، ثم إن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل، عليه السلام، كان يكفي العالم من البشر، فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود عنه ؟ وأيضاً أنه عليه السلام لما كان قادراً على إحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء وعلى أسقامهم وإلقاء الفاج عليهم حتى يصيروا عاجزين عن التعرض له ؟!

الأشكال الثالث :
إنه تعالى كان قادراً على تخليصه من أولئك الأعداء لأن يرفعه إلى السماء. فما الفائدة في إلقاء شبهه على غيره، وهل فيه إلا إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة إليه ؟!

الإشكال الرابع :
إنه إذا ألقي شبهه على غيره ثم أنه رفع بعد ذلك إلى السماء فالقوم اعتقدوا فيه أنه عيسي مع أنه ما كان مع عيسي، فهذا كان إلقاء لهم في الجهل والتلبيس، وهذا لا يليق بحكمة الرب تعالى.

الإشكال الخامس :
إن النصارى على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها وشدة حبهم للمسيح عليه السلام وغلوهم في أمره، أخبروا أنهم شاهدوه مقتولاً مصلوباً. فلو أنكرنا ذلك كان طعناً فيما ثبت بالتواتر، والطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوة محمد ونبوة عيسي، بل في وجودهما ووجود سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكل ذلك باطل.

الإشكال السادس :
إنه ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً. فلو لم يكن ذلك عيسي بل كان غيره لأظهر الجزع، وقال : ((إني لست عيسي أنما غيره)). ولبالغ في تعريف هذا المعني، ولو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلق هذا المعني. فلما لم يوجد شيء من هذا علمنا أن ليس الأمر على ما ذكرتم.

 
الظلام المظلوم :
أولاً :
أثار البعض اعتراضاً بأن المسيح قبض عليه في ظلام الليل، مما يؤدي إلى الالتباس وإمكانية القبض على شخص آخر.
التعليق :هذا بالطبع غير صحيح لما يلي :
1 – المسيح شخصية معروفة. وقد قال للذين أتوا للقبض عليه كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني. كل يوم كنت أجلس معكم في الهيكل ولم تمسكوني (مت55:26). فالمسيح الذي صنع المعجزات وأطعم الآلاف الذين سمعوه في وعظه والذي كان كثيراً في الهيكل معلماً، لا يمكن أن يكن شخصية نكرة غير معروفه حتى يحدث الالتباس ويتم القبض على شبيه له.
2 – أن يهوذا أيضاً شخصية معروفة، على الأقل للكهنة، وللجنود الذين قادهم للقبض على المسيح فحدوث الالتباس والخلط والخطأ أمر مستحيل.
3 – هذه الليلة هي ليلة الفصح، ويحتفل بها في منتصف شهر نيسان (شهر قمري)، أي أن البدر في كامل إضاءته. وإذا فرضنا أنهم قد جاءوا في وقت متأخر فالكتاب يوضح أنهم جاءوا إلى هناك بمشاعل ومصابيح، أي أن دعوي القبض عليه في ليلة مظلمة وأن هناك احتمال للقبض على آخر، ادعاء غير صحيح بالمرة، فإن أقوال وأعمال الشخص المقبوض عليه تؤكد أنه المسيح. هذا بالإضافة إلى شهود العيان (*).
الشرير يعلق بعمل يديه (مز16:9) :
قال أحد الكتاب أن الآية السابقة تشير إلى يهوذا الإسخريوطي الذي يعرف الجميع عنه أنه شرير. وهو الوحيد الذي يكون قد علق بعمل يديه، وبالتالي فإن المصلوب هو يهوذا الإسخريوطي وليس السيد المسيح.

التعليق :
فات الكاتب أن هذه الآية الشرير يعلق بعمل يديه هي كلمة مطلقة تدل على أن الشرير أعماله تتبعه وهو يتحمل ذنبه.
فأبشالوم لما شق عصا الطاعة على والده داود وعمل خراباً ضده أنهزم وهرب بالبغلة وسط الأشجار، فاشتبك شعره الطويل بالفروع المتشابكة وهربت البغلة من تحته فاستمر معلقاً حتى قتله يوآب بالسهام. (2 صم9:18-15).
وأخيتوفيل الذي انقلب عدواً لدوداً لما رأى أن مشورته لم يعمل بها شنق نفسه. (2 صم23:17) وهذا هو اختبار داود مع أعدائه، مما أوحي إليه بهذه الآية.
وفي مجري التاريخ، لما رأي يهوذا أنه بتسليمه المسيح للصلب قد دين، ندم ورد الثلاثين من الفضة ومضي وشنق نفسه. (مت5:27) وألوف الناس اليوم يعلقون على المشانق لأنهم قتلة.
فشنق يهوذا لم يعف المسيح من الصلب، بل جاء دليلاً على حدوثه، لأنه لولا تسليمه المسيح للصلب لما شنق نفسه. أما المسيح فانتصر بقيامته من الأموات.
________________
(*) أنظر : لقد خذله الحواريون فمن كان شهود الصليب.
ادعاء غريب : إشعياء النبي يتنبأ عن صلب يهوذا الإسخريوطي :
قال الأستاذ منصور حسين في ص 184 من كتابه دعوة الحق عن الإصحاح 53 من سفر إشعياء النبي .. قال بالحرف الواحد (إن هذا الإصحاح إنما يتنبأ عن صلب يهوذا الإسخريوطي بدلاً من المسيح عليه السلام)

التعليق :
ومما يؤكد أن إصحاح 53 من إشعياء هو نبوة عن المسيح ما جاء في سفر أعمال الرسل أن وزيراً للحبشة قد جاء إلى أورشليم ليسجد، وكان راجعاً وجالساً على مركبته وهو يقرأ النبي إشعياء. فقال الروح لفيلبس : تقدم ورافق المركبة. فبادر إليه فيلبس وسمعه يقرأ النبي إشعياء فقال : ألعلك تفهم ما تقرأ ؟ فقال كيف يمكنني إن لم يرشدني أحد ؟ وطلب إلى فيلبس أن يصعد ويجلس معه.
وأما فصل الكتاب الذي كان يقرأه فكان هذا : مثل شاة سيق إلى الذبح ومثل خروف صامت أمام الذي يجزه هكذا لم يفتح فاه. في تواضعه أنزع قضاؤه وجيله من يخبر به لأن حياته تنتزع من الأرض. فأجاب الخصي فيلبس وقال أطلب إليك عن من يقول النبي هذا ؟ عن نفسه أم عن واحد آخر ؟ ففتح فيلبس فاه وابتدأ من هذا الكتاب فبشره بيسوع (أع27:8-35).
ففيلبس المبشر في العصر الأول الرسولي أرشد وزير الحبشة على أن إصحاح 53 من إشعياء هو نبوة عن السيد المسيح، وعلى هذا الأساس قبل المسيحية، وليس كما يقول الأستاذ المؤلف صاحب دعوة الحق .. كذلك فإن السيد المسيح استشهد بالآية الأخيرة من هذا الإصحاح وأعلن أنها نبوة عن نفسه، له المجد، فقال لتلاميذه لأني أقول لكم إنه ينبغي أن يتم في أيضاً هذا المكتوب وأحصي مع أثمه. لأنه ما هو مكتوب من جهتي له انقضاء (لو27:22). وعندما صلب السيد المسيح بين لصين يقول القديس مرقس الرسول ((وصلبوا معه لصين واحداً عن يمينه وآخر عن يساره. فتم المكتوب القائل ((وأحصي مع أثمة)) (مر27:15).

نبوات سفر إشعياء :
ومعلوم أن إشعياء يسمي بالنبي الإنجيلي، لأنه تنبأ قبل المسيح بسبعمائة سنة عن جميع حوادث المسيح بالتفصيل :
فتنبأ في إصحاح 7 أن المسيح سيولد متأنساً من مريم العذراء، فقال يعطيكم السيد نفسه آية. هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعي اسمه عمانوئيل (الذي تفسيره الرب معنا) (إش14:7). وبين أن هذا المولود المتأنس هو الإله القادر على كل شيء فقال يولد لنا ولد ونعطي ابناً
وتكون الرياسة على كتفه، ويدعي عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أبا أبدياً رئيس السلام (إش6:9)
وتنبأ عن يوحنا المعمدان الذي يأتي أمامه صوت صارخ في البرية قائلاً أعدوا طريق الرب أصنعوا سبله مستقيمة (إش3:40-5)
وتنبأ عن معجزاته فقال حينئذ تتفتح عيون العمي. وآذان الصم تتفتح. حينئذ يقفز الأعرج كالأيل. ويترنم لسان الآخرين (إش6،5:35)
وتنبأ عن تلاميذه فقال أختم الشريعة بتلاميذي (إش16:8)
وتنبأ عن محاكمته وإهانته فقال بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق (إش6:50)
وتحدث إشعياء عن رؤية السيد جالساً على كرسي عال ومرتفع، أهداب رداؤه تملاً الهيكل فصرخ قائلاً ويل لي إني انسان نجس الشفتين وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين. لأن عيني قد رأتا الملك رب الجنود)) وقال ((فطار إلى واحد من السيرافيم وبيده جمرة قد أخذها بملقط من على المذبح. ومس بها فمي وقال أن هذه قد مست شفتيك فانتزع إثمك وكفر عن خطيتك (إش5:6-7). وكان المذبح الذي رآه رمزاً للصليب الذي ستتمم عليه الكفارة بالمسيح المصلوب.
ولهذا تنبأ إشعياء عن صلب المسيح وموته الكفاري فقال وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا (إش5:53)
ولكن مما يؤسف له أن يقول الأستاذ منصور حسين أن الذي سيجرح لأجل معاصينا هو يهوذا !!
وبقليل من الفحص نجد النبوات الواردة في إصحاح 53 لا تنطبق إلا على المسيح. ولهذا سمي هذا الإصحاح جلجثة العهد القديم.
وهذا الإصحاح يتنبأ إشعياء عن ثمانية مواضيع خاصة بشخص المسيح وهي :
1 – نشر دينه بين الأمم
2 – رفضه من اليهود
3 – احتقاره بين الناس
4 – موته الكفاري
5 – صبره العجيب
6 – كماله المطلق
7 – نجاحه في مشروع الفداء
8 – انتصاره الأبدي

أولا : نشر دينه بين الأمم :
كان محرماً على كل اليهود أن يلتصقوا بأحد أجنبي أو يأتوا إليه (أع28:10). ولكن إشعياء تنبأ أن المسيح سينشر دينه بين الأمم، ولا يحصره في الأمة اليهودية، وأن الأمم ستقبل ديانته وتعتمد على اسمه فقال : هوذا عبدي (1). يعقل (2). يتعالى ويرتقي ويتسامى جداً (3). كما اندهش منك كثيرون (4) … هكذا ينضج أمماً كثيرين)) أي يرش على الأمم ماءً طاهراً بمعموديته المباركة كقول حزقيال النبي وأرش عليكم ماء طاهراً فتتطهرون من كل نجاستكم ومن كل أصنامكم أطهركم (حزقيال25:26) وكقول السيد المسيح تلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس (مت28: 19) وكقول القديس بولس الرسول لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسله أجسادنا بماء نقي (عب22:10)
ونحن نسأل الكاتب الفذ : كيف ينطبق هذا القول على يهوذا ؟ هل اعتمدت الأمم والشعوب على اسمه ؟ أم اعتمدت على اسم السيد المسيح ؟
فهل نصدق إشعياء النبي وبولس الرسول أم نصدق السيد منصور حسين وأوهامه ؟

ثانياً : رفضه بين الأمم :
قال إشعياء النبي من صدق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب (إش1:53)
وهذه نبوة صريحة عن عدم إيمان اليهود بالمسيح، كقول القديس يوحنا البشير ومع أنه كان قد صنع آيات هذا عددها لم يؤمنوا به. ليتم قول إشعياء النبي الذي قال يا رب من صدق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب. لهذا لم يقدروا أن يؤمنوا (يو38،37:12) وكقول القديس بولس الرسول لكن ليس الجميع أطاعوا الإنجيل لأن إشعياء يقول يا رب من صدق خبرنا، إذاً الايمان بالخبر والخبر بكلمة الله (رو17،16:10)
ومع هذا فمما يعزينا أن البعض من اليهود والكثرة من الأمم صدقوا الخبر واستعلنت لهم ذراع الرب كقول السيد المسيح (مت26،25:11)
________________
(1) ((هوذا عبدي– أي المسيح، ودعي عبداً لأنه ((إذ كان في صورة الله أخلي نفسه آخذاً صورة عبد)) (في7،6:2) ليؤدي عملية الفداء كقوله ((ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثرين) (مت28:21)
(2) ((يعقل)) – أي يمتلئ حكمة وفهما كقول إشعياء في موضع آخر. يخرج قضيب من جذع يسي وينبت غصن من أصوله. ويحل عليه روح الرب وروح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب)) (إش2،1:11) وكقول القديس بولس الرسول ((المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم)) (كو3:2)
(3) ((يتعالى ويرتقي ويتسامى جداً))- فهذا التعالي والارتقاء والتسامي هو الذي حدث للمسيح ((إذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك رفعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب)) (في8:2-11)
فليس من المعقول أبداً أن يهوذا الخائن هو الذييتعالى ويرتقي ويتسامى جداً
(4) ((كما أندهش منك كثيرون)) – هذا هو المسيح موضع إعجاب الجميع الذي قيل عنه ((يدعي اسمه عجيباً)) (إش9: ) عجيباً ولا سيماً في آلامه ((كان مفسداً أكثر من الرجل – لم يكن له منظر لدي اليهود– ولكن بمقدار اندهاش الناس منه لسبب آلامه من شعبه هكذا قبلته أمم كثيرة.
وها هي ذراع الرب تخلص الجنس البشري من الخطية، لا بالوعود البراقة ولكن بالمحبة والفداء بالصليب. الذي هو إعلان ذراع الرب القوية للخلاص. ونحن ننادي به لليهود عثرة ولليونانيين جهالة، كقول القديس بولس الرسول : فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة. وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله (1 كو18:1) فهل الكلام ينطبق على السيد المسيح، كما يعلن الوحي الإلهي، أم ينطبق على يهوذا الخائن كقول الكاتب الفذ ؟

ثالثاً : احتقاره بين الناس :
قال إشعياء : نبت قدامه كفرخ وكعرق من أرض يابسة لا صورة له ولا جمال .. فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به (إش3،2:53). إن المسيح قال إن هذه الأقوال هي نبوة عن شخصه الكريم. فقال لتلاميذه ((وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أنه يتألم كثيراً ويرذل)) ؟ (مر12:9)
فاليهود رذلوه واختاروا باراباس اللص عوضاً عنه. وقال يوحنا البشير إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله (يو11:1)
أنهم لم يعرفوه على حقيقته، كقول القديس بولس الرسول : لو عرفوا لما صلبوا رب المجد (1 كو8:2)
والسبب لأن المسيح نبت كعرق من أرض يابسة –في بيت نجار، في قرية الناصرة، رجلاً فقيراً ليس له أين يسند رأسه، أتباعه صيادون، ليس له منظر الملك ولا أبهة الحكم. ولا يتفق مع أمانة الشعب في إنشاء دولة زمنية تحارب وتتوسع لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه، رجل أحزان، لا رجل مسرات، حقيقته محجوبة عن وجوهنا فلم نعتد به.
فإن كان المسيح قد خص نبوة إشعياء لنفسه وقد تمت فعلاً، فمن نصدق : المسيح والتاريخ أم الكذب الذي يبتدعه المضللون ؟

رابعاً : موته الكفاري :
قال إشعياء النبي : لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصاباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا. كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعاً (إش4:53-6)
إن القديس متي البشير بين لنا بوضوح أن قول إشعياء : لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها هو نبوة عن السيد المسيح، فقال : وجميع المرضي شفاهم، لكي يتم ما قيل بأشعياء النبي القائل هو أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا (مت17،16:8)
إن السيد المسيح لم يحمل أحزاننا فقط بل حمل نفس الخطية التي سببت لنا الأحزان … فقال القديس بطرس الرسول الذي حمل خطايانا هو نفسه على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر الذي بجلدته شفيتم (1 بط24:2)
وقال القديس بولس الرسول هكذا المسيح أيضاً بعدما قدم مرة لكي يحمل خطايا كثرين سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه (عب28:9)
إن السيد المسيح هو الشخصية الوحيدة البريئة من الخطية الذي مات من أجل غيره. وقد ذكر إشعياء في هذا الإصحاح سبع مرات أن السيد المسيح مات من أجل خطايانا.
وقد أشار القديس بولس الرسول إلى هذه الأقوال بقوله : فإني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب (1 كو3:15) وقوله أيضاً الذي أسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا (رؤ35:4)

وقال القديس بطرس الرسول :فإن المسيح تألم مرة واحدة من أجل الخطايا البار من أجل الآثمة لكي يقربنا إلى الله (1 بط18:3)
وثمرة هذا الموت النيابي هو السلام والشفاء كقول إشعياء تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا وقد أشار القديس بطرس الرسول إلى ذلك بقولها الذي بجلدته شفيتم (2 بط24:2)
وكانت النتيجة أيضاً إن رجعنا كخراف ضالة إلى الحظيرة كقول إشعياء النبي كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه أثم جمعياً. وقال في هذا القديس بطرس الرسول لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم واسقفها (1 بط25:2)
ولكن ما لا يستسيغه عقل على الإطلاق ما قاله السيد منصور حسين أن يهوذا هو الذي حمل ذنب اليهود وهذا قوله بالحرف الواحد ((وبصلب يهوذا يكون قد حمل وحده في الدنيا وزر الذنب الذي ارتكبه شعب اليهود .. كلهم كغنم ضلوا والرب وضع عليه إثمهم جميعاً)) (صفحة 182)
فهل إذا اشترك اثنان في جريمة وعاقبنا واحداً فقط يتبرر الآخر من العقاب ؟! هل هذا منطقي يا سيادة وكيل النيابة ؟ ومتي قال اليهود السلام والشفاء بموت يهوذا، ولازالت جميع الأجيال تسخط عليهم ؟

خامساً : صبره العجيب :
قال إشعياء النبي : ظلم، أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه (إش7:53)
فهنا يتنبأ إشعياء عن صبر السيد المسيح وهدوئه وسط عاصفة الآلام وسكونه وخلوه من الغيظ أو الغضب أو طلب الانتقام. وقد تمت هذه النبوة فعلاً كقول القديس متي البشير : أما يسوع فكان ساكتاً (مت63:26)، وقوله أيضاً : وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يشتكون عليه لم يجب بشيء (مت12:27)، وكقول القديس مرقس البشير : وأما هو فكان ساكتاً ولم يجب بشيء (مر61:14)، وكقول القديس بطرس الرسول : الذي إذا شتم لم يكن يشتم عوضاً وإذا تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضي بعدل (1 بط32:2)

سادساً : كماله المطلق :
قال إشعياء النبي من الضغطة ومن الدينونة أخذ وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء ؟ أنه ضرب من أجل ذنب شعبي وجعل مع الأشرار قبره ومع غني عند موته، على أنه لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش (إش9،8:53)
هذه النبوة عن اتهامات اليهود للسيد المسيح بأنه خاطئ وأنه يستحق الموت وعن ظنهم أنه بعد موته سيدفنونه مع جثث اللصوص ويقطع وينتهي أمره من بين الناس إلى الأبد ونبوة عن دفن المسيح في قبر غني، وهو الذي قال عنه متي البشير : ولما كان المساء جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف .. فأخذ الجسد ولفه بكتان نقي ووضعه في قبره الجديد الذي كان قد نحته في الصخر (مت57:27-60)

كما أنها نبوة تعلن براءة السيد المسيح وكماله المطلق كقوله على أنه لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش
وقد اقتبس القديس بطرس الرسول ذلك في قوله الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر (1 بط22:2)
وقال القديس يوحنا الرسول وتعلمون أن ذاك أظهر لكي يرفع خطايانا وليس فيه خطية (1 يو5:3)
وقال، له المجد، من منكم يبكتني على خطية (يو48:6)
وقال عنه القديس بولس الرسول قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات (عب26:7)
ومن غير المعقول أن نقول إن يهوذا هو الذي لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش وهو الخائن الأكبر الذي سلم المسيح لليهود بقبلات الغش نظير ثلاثين من الفضة وقال له السيد المسيح أبقبلة تسلم ابن الإنسان ؟ (لو48:22)

سابعاً :إتمامه الفداء :
قال إشعياء النبي : أما الرب فسر بأن يسحقه بالحزن أن جعل نفسه ذبيحة إثم يري نسلاً يطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح (إش10:53)
لقد اهتم الرب بخلاص البشر الساقطين :
قال ميخا النيي : من هو إله مثلك غافر الآثم وصافح عن الذنب لبقية ميراثه لا يحفظ إلى الأبد غضبه فإنه يسر بالرأفة (مي18:7)
قال الرب بفم حزقيال النبي: هل مسرة أسر بموت الشرير يقول السيد الرب؟ ألا برجوعه عن طرقه فيحيا (حز23:18)
وقال القديس بولس الرسول الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون (1 تي4:2)
بديهي أن الإنسان عاجز عن أن يخلص نفسه أو أن يخلصه أي واحد غيره من البشر. ولذلك اختار الآب أن ينفذ ابنه يسوع المسيح الخلاص
قال القديس بطرس الرسول :ليس بأحد غيره الخلاص لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن تخلص (أع12:4)
وقال السيد المسيح له المجد لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك (لو10:19)
ولهذا تجسد، وجاء في صورة، بحسب نظرنا، ليس فيها شيء يدل على المظاهر التي تدعو للنجاح، ومع ذلك نجح نجاحاً باهراً
لقد شبه السيد المسيح نفسه بحبة الحنطة فقال الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت في تبقي وحدها. ولكن إن ماتت فتأتي بثمر كثير (يو24:12)
إنه في محبته لنا أحتمل الشيء الكثير. قال وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلى الجميع (يو32:12)
لقد أعلن الوحي الإلهي قائلاً : هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي يهلك كل من يؤمن به. بل تكون له الحياة الأبدية (يو16:3)
فهل هذا الكلام ينطبق على يهوذا يا سادة ؟ وما هو الخلاص الذي تم للبشر على أيدي هذا الرجل الهالك؟

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات