١٢ – اعتراض: المسيح عليه السلام لم يصلب لأن المصلوب ملعون

المسيح عليه السلام لم يصلب لأن المصلوب ملعون :
جاء في ص1 من كتاب (وما قتلوه وما صلبوه .. أدلة من الإنجيل ..) المسيح عليه السلام لم يصلب .. (التثنية23:21) لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ... ثم يقول : أليس معنى اللعنة الطرد من
رحمة الرب سبحانه وتعالى ؟ أيرضى الرب سبحانه وتعالى بذلك لابنه ؟ لقد كافأ الرب سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام على طاعته لأمر الرب سبحانه وتعالى بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام وفداه بذبح عظيم. كما جاء في سفر التكوين الأصحاح 13:22، فهل إسماعيل عليه السلام أعز على الرب سبحانه وتعالى من عيسى عليه السلام ؟ لماذا يضحي الرب سبحانه وتعالى بابنه من أجل الفساق والفجار ؟ أيحبهم أكثر من ابنه ؟ ثم يتساءل ؟Child Abuseقائلاً : ما رأي المدافعين عن حقوق الأولاد ؟ أليس هذا ما يسميه الغرب النصراني
ويقول صاحب كتاب المسيح بين الحقائق والأوهام ص174 : شهدت التوراة أن المصلوب ملعون من الرب، وذلك بقولها : لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ. (تث23:21) .. ومن الغريب أن المسيحيين يدعون أن المسيح هو الرب. فهل يلعن الرب نفسه ؟ واللعن كما هو الطرد من رحمة الرب، وحيث أنه غير جائز أن يكون المسيح ملعوناً، فالمعلق لا شك سواه.

التعليق :
جاء في (تث 21 : 22 ، 23) «وَإِذَا كَانَ عَلَى إِنْسَانٍ خَطِيَّةٌ حَقُّهَا الْمَوْتُ، فَقُتِلَ وَعَلَّقْتَهُ عَلَى خَشَبَةٍ، فَلاَ تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ. فَلاَ تُنَجِّسْ أَرْضَكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا.

وفي الشريعة اليهودية، مَنْ يعلق على الصليب كان يقتل أولاً رجماً بالحجارة أو بأي طريقة أخرى حسب نصوص الشريعة أو حكم القضاة، ثم تعلق جثته على عمود من الخشب أو على شجرة أو صليب تشهيراُ بذنبه، ولكي يراه الكثيرون فيعتبرون. وقد قضت الشريعة أن الذي يقتل وتعلق جثته تنزل من على الخشبة في نفس اليوم الذي علق فيه وتدفن، وذلك لأن المعلق ملعون من الرب، أي واقع تحت غضبه ومحروم من بركته لأنه كسر ناموسه وتعدى عليه بعمله الفظيع الذي استحق عليه لا الموت فقط، بل التشهير أيضًا. أي أن :
1 – اللعنة ليست لأن الشخص معلق على الخشبة، لكن لأنه كسر الوصية فتم فيه حكم الموت حسب الشريعة، ثم علق على الخشبة.

2 – كون المسيح علق على خشبة الصليب، فهذا لا يعني أنه ملعون. ولكننا نؤمن أن :  اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ».لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ(غل13:3-14).

فكيف صار المسيح لعنة من أجلنا ؟
المسيح قد افتدانا، بمعنى أنه دفع فدية ليستردنا من اللعنة الناتجة عن فشلنا في تتم وصايا الناموس، وذلك بأن صار لعنة لأجلنا. والصيرورة هنا لا يمكن أن تكون فعلاً طبيعياً، يتم بتغيير في طبيعة الإنسان، لأن الوحي المقدس يشهد عن المسيح منزهًا إياه عن أي تغيير في طبيعته،
فيعبر عنه الرسول بقوله عنه :  لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ(عب26:7)
فهو القدوس الذي قال عنه الملاك المُبشر بولادته للعذراء المباركة :«اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.(لو35:1) وقد كانت شهادة القديس بطرس الرسول عنه بالوحي الإلهي «الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ»، الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْل. (1 بط 2 : 22-23).

ولكنه صار لعنة على قياس قول الرسول : لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ (2 كو21:5) بمقتضى النص النبوي : كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. (إش6:53) .. هذا هو مبدأ النيابة العام الذي يعامل به الخالق القدوس جميع أبناء الجنس البشري.

لأنه مكتوب ملعون كل مَنْ علق على خشبة : هنا بين الرسول كيف صار المسيح لعنة ؟
أولاً : بالنسبة لحكم الناموس (تث22:21-23)

ثانياً : بالنسبة لتنفيذ الحكم في وقوعه عليه
هكذا تم الأمر وعلق السيد المسيح على خشبة إتماماً لم تنبأ به عن نفسه :  مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ (يو 12 : 33 ، 18 : 32 )، حيث قال  «وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ (يو14:3). وبين ذلك لليهود في قوله : «مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ(يو28:8)،  وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ» (يو32:12). هذا الارتفاع الذي يشير إليه السيد المسيح هو التعليق على الخشبة. كما عبر عنه القديس بطرس الرسول :  قَتَلْتُمُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ. (أع 5 : 30   ) وأوضحه القديس بولس الرسول قائلاً : وَلَمَّا تَمَّمُوا كُلَّ مَا كُتِبَ عَنْهُ، أَنْزَلُوهُ عَنِ الْخَشَبَةِ (أع 13 : 29) التي علقوه عليها)).

فالسيد المسيح قد حمل خطايانا، ومات فداء عنا، تحمل اللعنة، لكي تتحقق لنا البركة، وقد فعل ذلك حباً وطواعية باختياره
((إن ما بدا لناقدي المسيح أمراً مخزياً، بل بغيضاً، رآه أتباعه أمراً مجيداُ للغاية … إلا أن أعداء الإنجيل لم يشاركوا هذه النظرة، ولا يشاركون فيها. وليس ثمة شرخ بين الإيمان وعدم الإيمان أعظم من الشرخ القائم بينهما من حيث موقف كل منهما تجاه الصليب. فحيث يرى الإيمان مجداُ، لا يرى عدم الإيمان سوى الخزي.
 فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ (1 كو18:1).
 لأَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً، وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً!.  (1 كو22:1-23).
لقد خذله الحواريون؛ فمَنْ كان شهود الصلب ؟
يقول صاحب كتاب ((وما قتلوه. وما صلبوه .. أدلة من الإنجيل)) :
جاء في إنجيل مرقس الأصحاح (27:14) من أقوال المسيح عليه السلام : أن كلكم تشكون في هذه الليلة .. ثم يذكر ما جاء في مرقس الأصحاح (50:14) فتركه الجميع وهربوا. ويضيف قائلاً .. لقد خذله الحواريون؛ فمَنْ كان شهود الصلب ؟.

التعليق :
لقد أعلن الوحي الإلهي أن  تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. (مت16:18) وأيضاً (2 كو13 :1). وفي إثباتنا لحقيقة أن المصلوب هو رب المجد يسوع المسيح نقدم شهود حوادث الصلب من ساعة القبض عليه وحتى قيامته من الأموات.

أ – شهود العيان أثناء القبض على السيد المسيح :
كان التلاميذ مع السيد المسيح في البستان عندما جاء الجنود للقبض عليه (مت45:26-50) وتقدم السيد المسيح نفسه للجنود طالباً منهم أن يدعوا تلاميذه يذهبون (يو8:18-9). ونرى المشهد القديس بطرس الرسول يستل سيفه ويقطع أذن عبد رئيس الكهنة (يو10:18).
فالتلاميذ الذين سجلوا لنا فيما بعد في الأناجيل والرسائل كانوا شهود عيان لعملية القبض على المسيح. فكيف نشك في شهادة شهود العيان ونصدق أقوالاً تقال بغير دليل ؟ ونجد في المشهد أيضاً يهوذا، التلميذ الخائن، يقود شرذمة من الجنود للقبض على المسيح، ولست أدرى كيف تحول المرشد والدليل إلى شخص مقبوض عليه. إنه لشيء مستحيل أن يخطئ الجنود فيقبضوا على يهوذا السائر معهم بدلاُ من السيد المسيح.

ب – شهود العيان أثناء المحاكمة
(1) – التلاميذ :
بعد القبض على السيد المسيح اقتادوه إلى رئيس الكهنة، وقد ذهب إلى هناك تلميذ كان محبوباً ومقرباً لدى المسيح، وهو يوحنا وكان معروفاً عند رئيس الكهنة (يو15:18). وأيضاً القديس بطرس، فقد تبعه من بعيد. فوجودهما يؤكد أن هذا الشخص هو المسيح.
وقد قال القديس يوحنا  الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا (1 يو1:1) وقد نظر السيد المسيح إلى القديس بطرس بعد أن أنكره نظرة عتاب،  فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا. (مت75:26). فلو أن المقبوض عليه كان شخصاً غير السيد المسيح، ما الذي يدفع بطرس إلى البكاء ؟ وهل عندما التقت العيون، لم يكن في إمكان بطرس أن يتعرف على هذا الشخص لو لم يكن هو المسيح، ولاسيما أن يهوذا شخص معروف لديه ؟
وهل لم يكن لدى يوحنا التلميذ المحبوب والذي كان قريباً جداً منه قدرة على تمييز شخصه.

(2)– رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ :
كان السيد المسيح في الهيكل عديداً من المرات محاوراً ومعلماً وموبخاً. وهذا يؤكد أنه كان شخصية معروفة لدى الكثيرين منهم، وحيث أن السيد المسيح قد حوكم لفترة طويلة أمامهم، فلو أن هذا الشخص لم يكن السيد المسيح لأمكنهم اكتشاف ذلك بسهولة.

(3)- الشهود الذين شهدوا عليه زوراً :
عند محاكمة السيد المسيح تقدم شاهداً زور وقالا : «هذَا قَالَ: إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللهِ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ».(مت26 : 61) .
ومما لا شك فيه أن هذين الشاهدين قد سمعا يسوع في الهيكل عندما تفوه بهذا القول ولكنهما شوها هذا القول وقدماه بما يخدم الإتهام المطلوب. ورغم هذا فهما قد عرفا المسيح وسمعاه، فإذا لم يكن هو الماثل أمامهم لكانا قد عرفاه.

(4)– شهود عيان لأحداث ما قبل الصلب
بعد المحاكمة الدينية أمام حنان وقيافا والسنهدريم، ثم المحاكمة المدنية أمام بيلاطس، صدر الحكم بصلب المسيح. وهناك عدة أمور قد حدثت منها نستطيع أن نعرف شخص المصلوب :
طبقاً لقانون الجزاء الروماني كان المصلوب يحمل آلة عذابه وموته، ويطاف به وهو حامل صليبه في شوارع المدينة ليكون عبرة للآخرين. وقد أخذوا المسيح ومضوا به  فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ» وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ «جُلْجُثَةُ».حَيْثُ صَلَبُوهُ، ..  وَكَتَبَ بِيلاَطُسُ عُنْوَانًا وَوَضَعَهُ عَلَى الصَّلِيبِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا: «يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ». فَقَرَأَ هذَا الْعُنْوَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ يَسُوعُ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَالّلاَتِينِيَّةِ (يو17:19-20).
– من هنا نرى أن المسيح، وهو حامل صليبه إلى خارج المدينة (عب12:13)، رآه الكثيرين ومن المؤكد أن بعضهم قد عرفه وتعرف عليه. ثم أن المكان الذي صلب فيه كان قريباً من المدينة. فهل عميت عيون الجميع فلم يعرفوا هل هذا يسوع المسيح أم يهوذا الإسخريوطي ؟

النسوة الباكيات على المصلوب :  وَتَبِعَهُ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الشَّعْبِ، وَالنِّسَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ يَلْطِمْنَ أَيْضًا وَيَنُحْنَ عَلَيْهِ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِنَّ يَسُوعُ وَقَالَ: «يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، لاَ تَبْكِينَ عَلَيَّ بَلِ ابْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلاَدِكُنَّ، ..  لأَنَّهُ إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هذَا، فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِسِ؟». (لو23 : 27 – 31 ).
لقد تبع يسوع – وهو حامل صليبه – جمهور كثير من الشعب والنساء، فهل في كل هذا الجمهور لم يوجد شخص يستطيع أن يعرف هل هذا هو المسيح أم شخص آخر غيره ؟
– وعندما تحدث إلى النسوة، هل لم يستطع الجمهور أن يميز صوته الذي قد سمع كثيراً من خلال عظاته وتعاليمه، وأعتقد أن يسوع كان له صوت مميز بدليل أن مريم المجدلية لم تتعرف عليه عند قيامته، ولكن عندما خاطبها يا مريم، عرفته من صوته (يو16:20).
ما قاله الشخص المصلوب هنا هو نبوة عن خراب أورشليم بعد أربعين سنة. وكما كان الرومان آلة بيد اليهود لموت المسيح (العود الرطب)، سيكون الرومان أنفسهم أيضاً آلة بيد الرب للانتقام وإحراق العود اليابس (اليهود).

(5) – شهود الصلب :
كان عند الصليب أحباء المسيح وأعداؤه، وهم شهود عيان لما حدث :
1 – تلاميذه وأحباؤه:
  وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لأُمِّهِ: «يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ». ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ. (يو25:19-27).
فإذا جاز الخطأ والاشتباه على الغرباء، فهل يجوز على الأقارب والأحباء ؟ هل يحوز الخطأ على العذراء مريم، فلا تتعرف على ابنها. أعتقد أن هذا مستحيل. يوحنا، وقد كلمه المصلوب سلمه أمه، يسجل لنا كشاهد عيان لموت المسيح على الصليب، هذا القول   وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ. (يو35:19).

2 – الكهنة والكتبة والمارة والمجدفون :
كان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين :  «يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!».  وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا:  «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ! (مت40:27-42) وأيضاً (مر29:15-31 ، لو35:23-37).
فهل لم يتصادف أن يكون بين هؤلاء شخص واحد يستطيع أن يتعرف على المصلوب إذا لم يكن هو المسيح ؟

3 – قائد المئة والذين معه من الجنود :
هل لم يكن أحد منهم عارفاً السيد المسيح ؟ أن قائد المئة عندما رأى ما رافق الصلب من أحداث ارتبطت بشخص المسيح قال :  «حَقًّا كَانَ هذَا ابْنَ اللهِ!».  (مت54:27). ثم أن رفض المصلوب أن يشرب المخدر يؤكد أنه هو المسيح.  وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى «مَوْضِعَ الْجُمْجُمَةِ»  أَعْطَوْهُ خَلًا مَمْزُوجًا بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ. (مت33:27-34).
((كانت العادة عند اليهود، كما كانت عند سائر الشعوب القديمة، أن يعطي المحكوم عليه بالموت شراباً مخدراً، يلطف من ألمه، ذلك هو الشراب الذي ذكره متى ، أن المسيح ذاق ولم يرد أن يشرب، لأنه أخذ على نفسه أن يشرب الكأس التي أرادها له الآب لتكون للفداء)) (*)

(6)– شهود العيان لعملية الدفن :
بعد موت المسيح تقدم يوسف الرامي وطلب جسد المسيح لتكفيه ودفنه (مر42:15-43). وكانت الشريعة الرومانية تبيح أن تعطي أجساد المحكوم عليهم لمن يطلبها ليقوم بدفنها. وأخذ يوسف الرامي ونيقوديموس جسد يسوع ولفاه في أكفان مع أطياب وحنوط وتم دفن الجسد في قبر يوسف الرامي (مت57:27-61 ، مر42:15-47 ، لو50:23-56 ، يو38:19-42).
فهل هذان أيضاً عميت عيونهما فلم يفرقا بين المسيح ويهوذا ؟ أم أنهما اشتركا في الخدعة وقاما بتكفين جسد يهوذا على أنه هو المسيح ؟ أن الصفات التي ذكرت عنهما في الكتاب تجعلهما بمنأى عن هذه الشبهات. فيوسف الرامي، تلميذ ليسوع (مت57:27) وهو مشير شريف (مر43:15) وكان رجلاً صالحاً باراً (لو50:23)، أما نيقوديموس فهو فريسي رئيس لليهود ومعلم إسرائيل (يو1:3،10)

(7)– شهود العيان لظهورات المسيح بعد القيامة من الموت :
لو كان المصلوب هو يهوذا أو أي شخص آخر، لم يكن هناك قيامة من الموت إلا يوم البعث والحساب. ولكن لأن المصلوب هو السيد المسيح الذي سبق وأعلن لتلاميذه مرات أنه سوف يصلب وفي اليوم الثالث يقوم (مت21:16 ، 9:17 ، 17:20-19 ، يو18:2-20)، فقد قام من الموت (مت6:28-7 ، مر6:16 ، لو7:24 ، يو9:20). وقد شهد لحقيقة قيامته كثيرون؛ فقيامة المصلوب من الموت وظهوره لشهود عيان كثيرين يعرفونه تمام المعرفة يؤكد أن المصلوب هو السيد المسيح.
أقوال المصلوب (كلمات السيد المسيح على الصليب) :
من خلال الأناجيل الأربعة نجد أن المصلوب قد تفوه بسبعة أقوال وهو على الصليب. وبالنظر إلى هذه الكلمات نجدها تعلن أن المصلوب هو السيد المسيح، ولا يمكن أن يكون شخصاَ آخر غيره.
______________
(*) يصور جيم بيشوب هذا الموقف بأسلوبه الرائع قائلاً : ((وقبل أن تبدأ عملية الصلب، اخترقت جماعة من النسوة اللاتي ينتمين لهيئة الإسعاف والرحمة، وهن يحملن أريقا من رحيق مخدر وبضع كؤوس. لقد كانت هذه هي إحدى علميات الرحمة، التي يسمح بها الرومان لأولئك الذين على وشك الموت .. وإتجهت جماعة النسوة إلى الأسير الأوسط، يسوع، وصببن الخمر له في الكأس، ونظر السيد بتقدير إلى عواطف أولئك النبيلات، وإلى دموعهن السائلة، وإلى عمل الرحمة الذي يتقدمن به، ولكنه هز رأسه ولم يشأ أن يذوق شيئاً. لقد فضل أن يتجرع كأس الألم حتى الثمالة، دون أن يخفف ذرة من أثرها المرير)). فالمصلوب لم يشرب لأنه المسيح، ولو كان يهوذا أو آخر لشرب وطلب المزيد ليشرب ليخفف من آلامه.

الكلمة الأولى :
وفيها يقول«يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ»  (لو34:23). لقد التمس العذر لصالبيه رغم آلامه الجسدية.
فهل لو كان المصلوب أي شخص آخر غير السيد المسيح يستطيع أن يفعل مثل هذا ؟ إنها طبيعة السيد المسيح هي التي أملت عليه هذا القول وجعلته ينسى آلامه الرهيبة ويتشفع من أجلهم؛ وهو بذلك قدم مثالاً عملياً لتنفيذ وصاياه … فقد قال من قبل: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ (مت44:5)
فالسيد المسيح هنا ينفذ بنفسه سبق أن أوصى به. وهذا يؤكد أن المصلوب هو المسيح.

الكلمة الثانية :
عندما قال اللص اليمين للسيد المسيح«اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ» (لو42:23-43) إنه بهذا القول يعلن يقته في النهاية. وهو هنا يعده بأنه سوف يدخل معه الفردوس في نفس اليوم، وكلمة الفردوس هنا تشير إلى مقر المباركين في العالم الآتي (2 كو3:1 ، رؤ7:2). وقول المصلوب لللص بأنه سيكون معه في الفردوس. يعني غفران خطاياه. وهنا يمارس المسيح سلطانه الإلهي في مغفرة الخطايا.

فلو كان المصلوب هو يهوذا أو أي شخص آخر :
1 – فمن أين جاءه اليقين في دخول الفردوس ؟ وهو خائن قد باع سيده.
2 – كيف له أن يعد شخصاً آخر بدخول الفردوس ؟ وهو لا يملك هذا لنفسه.
3 – من أين له سلطان مغفرة الخطايا حتى يتمكن اللص من دخول الفردوس. هذا يؤكد لنا أن المصلوب هو السيد المسيح، لأنه واثق من النهاية، واستجاب لطلب اللص عندما عرف حقيقته ودعاه ((يا رب))، وفي الحال غفر خطاياه ووعد بأنه سيكون معه في الفردوس في نفس اليوم.

الكلمة الثالثة :
عندما أوشك السيد المسيح أن يفارق الحياة وهو على الصليب، أدار بصره فرأى أمه العذراء مريم وبدأ يفكر في الأيام الحزينة التي تنتظرها، ورأى بجوارها يوحنا تلميذه الذي يحبه فنظر إلى أمه، مشيراً إلى يوحنا وقال: «يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ».: ، ثم نظر إلى يوحنا تلميذه مشيراً إلى أمه وقال :: «هُوَذَا أُمُّكَ».(يو26:19-27).
وهاتان العبارتان تؤكدان أن المصلوب هو السيد المسيح.
1 – لأنه من المؤكد أن العذراء مريم، لو كان المصلوب شخصاً آخر غير السيد المسيح، لعرفت ذلك من شكله ومن صوته، حيث أنها كانت على مسافة قريبة جداً حتى تسمع هذا الكلام، وإذا أخطأ كل الناس في معرفة السيد المسيح، فلا يمكن أن تخطئ العذراء في معرفة ابنها. وإلا فقل على كل عواطف الأمومة السلام.
2 – لو كان المصلوب هو أي شخص آخر غير السيد المسيح، لأمكن ليوحنا تلميذه المحبوب اكتشاف ذلك.
3 – إذا كان المصلوب هو يهوذا، فما الداعي لأن يستودع العذراء مريم لدي يوحنا ويقول لها هوذا ابنك وهو يعلم أن المسيح ابنها مازال حياً.
فالكلمة الثالثة يؤكد صحة دعوانا أن المصلوب هو السيد المسيح

الكلمة الرابعة :
قول المصلوب  إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟
يقول المعترض : جاء في الأناجيل قول المصلوب :  إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟. هذا الكلام يقتضي عدم الرضا بالقضاء، وعدم التسليم لأمر الرب خالق والأرض والسماء، والمسيح منزه عن ذلك بالنسبة لمرتبة النبوة. فكيف وأنتم تزعمون أنه الإله وأنه ارتاح إلى الصليب بنفسه، أليس في هذا
دليل على أنه شبه لهم ؟ … وإذا كان الأشخاص العاديون يستبشرون بالموت، فكان بالأولى المسيح. ولما لم يكن الأمر كذلك، دل على أن المصلوب غيره، فلذلك كان يجزع ويصرخ ويضرع)) (*)

التعليق :
لقد أساء الحاضرون (**) الناطقون باليونانية فهم كلمات المصلوب وظنوا أنه ينادي إيليا ومازال كثيرون حتىاليوم يسيئون فهم ما قاله. ولقد حاول كثير من المفسرين الدخول إلى أعماق أسرار معنى قول المصلوب : إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ (مت46:27) ، مر34:15). وقد ذكروا أربعة آراء نقدم هنا مختصراً لها (***)

الرأي الأول : إن السيد المسيح بقوله هذه، إنما كان يذكر اليهود بالمزمور الثاني والعشرين الذي يبدأ بهذه العبارة.  «تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ (مت29:22)، بينما كانت هذه الكتب هي التي تشهد له (يو39:5) فأحالهم السيد المسيح إلى هذا المزمور بالذات، وكانوا لا يعرفون المزامير بأرقامها الحالية، وإنما يسمون المزمور بأول عبارة فيه .. وهذا المزمور قيل بروح النبوة عن السيد المسيح، وكأن السيد المسيح على الصليب يقول لهم : اذهبوا واقرأوا مزمور: إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟  وانظروا ما قيل عني.

2 – الرأي الثاني : وهو أكثر ميلا للناحية البشرية، فإنه يبدو أن يسوع لا يكون يسوع حقاً، ما لم يدخل إلى أعماق الاختيار الإنساني، وقد اختبر البشر أنه في أثناء سير الحياة الطبيعي، عندما تدخل المآسي إلى الحياة، تأتي أوقات، وربما مرة واحدة في الحياة، عندما يشعر الإنسان أن الرب قد نسيه، وحين نجوز في حالة فوق إدراكنا، نشعر أننا قد صرنا متروكين من الرب نفسه، ولعله من جاز فيه يسوع كإنسان ليختبر أعمق اختبارات البشر.

3 – الرأي الثالث : أن رب المجد يسوع المسيح كان يردد كلمات العدد الأول من مزمور 22 لنفسه، لأن المزمور، وإن كان يبدأ بوصف الآلام المروعة، ولكنه ينتهي بثقة عظيمة وانتصار(مز22:22-24) وقد قيل إن يسوع كان يردد كلمات المزمور تصويراً لحالته وإعلاناً لثقته الكاملة بالرب، لأنه يعلم أن الآلام التي يجتازها ستنتهي بالنصرة فهي صرخة الانتصار وليس الجزع والارتياع.

4 – الرأي الرابع : إنه في تلك اللحظة حل الثقل الفظيع لخطايا العالم على قلب يسوع، وعلى كيانه كله، وإنه في تلك اللحظة : لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَار  (2 كو21:5).
وإن العقاب الذي حمله عنا نتج عنه بالضرورة ((ترك الآب للابن بسبب الخطية، ولا يستطيع أحد أن يعترض على هذا التفسير، إلا أننا نقف أمام هذا السر العميق مشدوهين متعجبين، لقد حدث ترك الآب للابن وقد قبله الآب والابن معاً. وهذا التحرك ناجم عن الخطايا وما تستحقه من جزاء عادل، وقد عبر السيد المسيح عن هذا الترك باقتباسه من الكتاب المقدس الآية الوحيدة التي وصفه بدقة إلهي إلهي لماذا تركتني، إن صرخته جاءت على شكل سؤال ((لماذا ؟)) ليس لأنه لم يعرف الجواب وإنما فقط لأن نص العهد القديم الذي يقتبس منه كان بهذه الصيغة.

______________
(*) الفارق بين المخلوق والخالق. ص743.
وأنظر أيضاً :
أ – المنتخب الجليل من حرف الإنجيل. ص316.
ب – بين المسيحية والإسلام. ص164.
ج –الأجوبة الفاخرة. ص54.
د – المسيح في مصادر العقيدة المسيحية. ص306.
(**) أنظر كتابنا : السيد المسيح هل هو الرب.
(***) قال المعترض : قال السيد المسيح ((وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي) (يو29:8) بينما قال المصلوب (( إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ )) (مت46:27 ، مر34:15) أليس هذا دليلاً على أن المصلوب هو شخص آخر بخلاف السيد المسيح لأن الآب قد تركه والمسيح بقول ((وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي )) ؟
وتعليقاً على ذلك نقول : السيد المسيح في القول الأول يوجه خطابه إلى اليهود الذين قد تركوه ورفضوه. وقد قال السيد المسيح مثل هذا القول لتلاميذه أيضاً ((  هُوَذَا تَأْتِي سَاعَةٌ، وَقَدْ أَتَتِ الآنَ، تَتَفَرَّقُونَ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى خَاصَّتِهِ، وَتَتْرُكُونَنِي وَحْدِي. وَأَنَا لَسْتُ وَحْدِي لأَنَّ الآبَ مَعِي. قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلاَمٌ)) (يو32:16-33). وهنا يخبر المسيح تلاميذه عما سوف يحدث بعد قليل عندما يأتي رؤساء الكهنة والجنود للقبض عليه ((  حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا)) (مت56:26)، ولم يكن هذا خافياً على السيد المسيح، فقد سبق وقال لهم : (( لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ)) (مت31:26)، والسيد المسيح يطمئن تلاميذه، ورغم أنهم سيتركونه، فهو ليس وحده لأن الآب معه. والوحدة نوعان :

1 – وحدة محلية مكانية : كوحدة السجين في سجنه الانفرادي.

2 – وحدة معنوية نفسية : وهي تلك التي يقاسيها المصلح حين يكون محاطاً بجمهور من قومه وذويه الذين لا يشاطرونه أفكاره وآماله وآلامه. وهذا النوع الثاني من الوحدة هو الذي قاساه السيد المسيح، فقد كان وحيداً في آماله وآلامه وأفكاره .. حتى أثناء وجود التلاميذ معه كان وحيداً. فكيف به بعد تفرقهم عنه ؟ غير أن وحدته التي قاساها بالنسبة للغير كانت في الوقت نفسه وحدة مأنوسة ((وَأَنَا لَسْتُ وَحْدِي لأَنَّ الآبَ مَعِي)) هذه الوحدة التي لا تعرف الوحشة .. وليست هذه مجرد معية وإنما هي وحدانية الروح.

إلهي إلهي لماذا تركتني ؟
قالها المسيح بصفته نائباً عن البشرية، لأنه  أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ (في7:2-8)،وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ.  (في8:2).
وليس معناها الانفصال، وإنما معناها :تركتني للعذاب، تركتني أتحمل الغضب الإلهي على الخطية. إنها لا تعني أن الآب ترك الابن ((أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ )) (يو11:14). لم يكن تركاً أقنومياً، بل تركاً تدبيرياً.

إنها تعنى أن آلام الصلب كانت آلاماً حقيقية، وآلام الغضب الإلهي كانت مبرحة وفي هذا الترك تركزت كل آلام الصليب وكل آلام الفداء.
إنها لم تكن نوعاً من الاحتجاج والشكوى، إنما كانت مجرد تسجيل لآلامه، وإثبات حقيقتها، وإعلاناً بأن عمل الفداء سائر في طريقة للتمام. (*)
إذن فهذه العبارة لا تعني بالمرة عدم الرضاء بالقضاء الإلهي وعدم التسليم لأمر الرب خالق الأرض والسماء، ولا تعني أن المسيح كان يصرخ ويجزع ويضرع، بل قدم نفسه طوعاً واختياراً وهي أيضاً لا تعني أن المصلوب غيرة. ومعناها أعمق مما يدعون.

الكلمة الخامسة :
«أَنَا عَطْشَانُ»:
روت الأناجيل أن المصلوب قال :«أَنَا عَطْشَانُ»، فأعطوه خلاً ممزوجاً بمر، فذاقه ولم يشرب .. بينما يروون عن السيد المسيح أنه صام أربعين يوماً. فكيف يظهر الحاجة والمذلة لأعدائه بسبب عطش ساعة واحدة ؟ أليس هذا دليلاً على أن المصلوب هو غيره (**).

التعليق :
لقد جاء هذا القول في : (متى 27 : 33 -34)  وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى «مَوْضِعَ الْجُمْجُمَةِ»  أَعْطَوْهُ خَلًا مَمْزُوجًا بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ.. وأيضاً (مر23:15). وجاء في (يو28:19-30)  بَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ: «أَنَا عَطْشَانُ». وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعًا مَمْلُوًّا خَلًا، فَمَلأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ، وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ. فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ: «قَدْ أُكْمِلَ». )).
مت48:27)   وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَلًا وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ.(  وأيضاً (مر36:15)
_______________
(*) كلمات المسيح على الصليب. البابا شنودة الثالث. ط7. ص29.
(**) الفارق بين المخلوق والخالق ص 741
وأنظر أيضاً : 1 – المنتخب الجليل ص 316
2 – بين المسيحية والإسلام ص 164
3 – الاجوبة الفاخرة ص 54
قبل التعليق على هذا الادعاء، نوضح شيئاً آخر. ففي (مت34:27) المسيح لم يشرب، وفي (مت48:27 ، يو30:19) شرب. فهل هناك تناقض بين النصوص ؟ إذ ينظر الناقد نظرة سطحية يقول نعم هناك، ولكن إذ ننظر بنظرة فاحصة وصادقة تعرف الحق.
ففي المرة الأولى قدم للسيد المسيح خل ممزوج بمرارة، وكان هذا يستعمل كمخدر لتسكين وتخفيف آلام المصلوبين، وقد رفض المسيح أن يشربه كي يكون في أشد حالات الصحو والانتباه فيتجرع كأس الآلام حتى آخر قطرة.

وفي المرة الثانية، قال المسيح : «أَنَا عَطْشَانُ»، فجاء هذا موافقاً لما ورد في الكتاب (مز21:69) فالمسيح لم يقل أنا عطشان بقصد أن يتم الكتاب، بل لأنه كان عطشاناً فعلاً، لأن ألام الصليب المحرقة يبست لسانه، لأن أربع ساعات مضت منذ أن علقوه على الصليب … إن بين الكلمات السبع، التي تطق السيد المسيح على الصليب، لم يفه إلا بهذه الكلمة الواحدة عن آلامه الجسدية .. هذا عطش فدائي اختبره المسيح ليرفع به عن المؤمنين ذلك العطش المحرق الذي كان عليهم أن يختبروه في لهيب الجحيم الأبدي (لو24:16).
قال المسيح المصلوب : «أَنَا عَطْشَانُ»، ليستطيع المسيح الحي أن يقول بحق  «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ.)) (يو37:7)
((فملأوا إسفنجة من الخل ووضعوها على زوفا، أي على ساق من نبات الزوفا في شكل قصبة، ومن أجل ذلك سماه كل من متى ومرقس ((قصبة))، وقدموها إلى فمه. وفي هذه المرة لم يرفض المسيح أن يشرب هذا الخل))
وبالتالي ليس هنا تناقض بين النصين
* أما الادعاء إن المصلوب هو يهوذا وليس المسيح، لأن المسيح صام أربعين يوماً فكيف لم يستطع أن يصبر على العطش ساعة واحدة
فنقول : نعم، لقد صام السيد المسيح أربعين يوماً (مت4). وكان هذا صوماً معجزياً، خارقاً للطبيعة، لأنه عندما يقول الكتاب عنه جَاعَ أَخِيرًا.(مت 4 : 2)  فهذا يدل على أنه لم يجع في خلال هذه الفترة، وقد كان هذا عملاً إلهياً معجزياً، له هدف محدد.
ولكن هذا لا يحتم أن تكون كل تصرفات المسيح الطبيعية التي يشارك فيها بني البشر مؤيدة بالمعجزات والأعمال الخارقة.
وعندما كان السيد المسيح على الصليب، وطلب ماء ليشرب، فهذا أمر طبيعي بعد معاناة طويلة قد عاناها المسيح ابن الإنسان، وكون المصلوب عطش وطلب ماء ليشرب فهذا لا يعني بالمرة أنه ليس هو المسيح.
لأننا وإن كنا نؤمن أن السيد المسيح هو الرب، ولكننا –في نفس الوقت – نؤمن أيضاً أنه أخذ جسداً بشرياً له نفس صفات جسدنا، ماعدا الخطية.
فإذا كان وهو إله متجسد يستطيع أن يصوم أربعين يوماً، فإنه أيضاً بالجسد كان له نفس الاحتياجات البشرية. وإذ أظهر لاهوته بعض العلامات الدالة عليه، فإن ناسوته أيضاً لم يحجب وعبر عن نفسه بعلامات أخرى. فاستخدام قول المسيح على الصليب أنا عطشان للدلالة على أنه ليس هو المصلوب، هو قول يلقي على واهنه بدون دليل وبرهان، وبقية أقوال المصلوب تؤكد أنه هو السيد المسيح وليس آخر

الكلمة السادسة :
«قَدْ أُكْمِلَ» (يو30:19)
قبل موته مباشرة، صرخ السيد المسيح بصوت عظيم قائلاً :«قَدْ أُكْمِلَ». إن كلمة قد أُكمل في الأصل وهي تعني صرخة المنتصر، اليوناني كلمة واحدة (تيتلستاي و(Tetelestai
هي هتاف مَنْ أتم عمله، ومَنْ فاز في المعركة، صرخة رجل خرج مِن الظلام إلى مجد الضياء وأمسك بالتاج. وهكذا مات يسوع منتصراً وصيحة الفائز على شفتيه. إنه لم يهمس بها بانكسار مَنْ يجتاز وادي الهزيمة، لقد هتف بها بفرحة مَنْ كسب الانتصار. لقد أكمل المسيح هنا عمل الفداء والكفارة.
فلو كان المصلوب أي شخص آخر فلماذا يقول قد أُكمل ؟ وما هو الشيء الذي أكمله ؟ ومن أين له الفرح والانتصار وهو يوشك أن يفارق الحياة بميتة شنيعة ؟

الكلمة السابعة والأخيرة :
  «يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي».(لوقا 23: 46) .
قالها السيد المسيح ثم وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ. (يو 19 : 30) . وفي هذا النص نرى :
أ – قول المصلوب : يَا أَبَتَاهُ وهنا يرد المسيح على الذين كانوا يتحدونه قائلين : إن كنت ابن الرب انزل مِن على الصليب. فأثبت أنه ابن الرب، ولكنه لم ينزل مِن على الصليب وإنما رفع الصليب إلى علو السماء.
ب – إن هذه العبارة تعبر عن الثقة، حيث يستودع المسيح المصلوب روحه في يد الآب.
ج نَكَّسَ رَأْسَهُ  : في الأصل أسند رأسه، كمتعب، يسند رأسه على وسادة بعد رحلة شاقة مرة، إن المعركة بالنسبة ليسوع قد انتهت بالانتصار، واختبر راحة من أكمل واجبه وأدى رسالته.
د –  أَسْلَمَ الرُّوحَ : ليست هي العبارة المعتادة أن تقال عن موت إنسان .. فهي توضح أن في موت المسيح كان هناك أمر غير عادي على الإطلاق. فهي تشير إلى فعل إرادي تم من المسيح أي أن موته لم يكن نتيجة طبيعية أو إعياء، بل عملاً طوعياً، وبذلك كان فردياً. وقبل أن يصبح أي سبب طبيعي مميتاً. وفي اللحظة التي اختارها هو أسلم روحه، حتى أن بيلاطس تعجب أنه هكذا مات سريعاً (مر14).

فهل ينطبق هذا على يهوذا ؟ هل يستطيع يهوذا في ذلك الموقف أن يخاطب الرب يا أبتاه ؟ وهل له من السلطان أن يسلم روحه في الوقت الذي يشاء ؟ إنه السيد المسيح الذي قال عن نفسه : لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا.(يو18:10).
فكلمات المصلوب إعلان وبرهان لا يقبل الشك أو التأويل أنه هو رب المجد يسوع المسيح.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات