١١ – المصلوب المهان. كيف يكون ملكاً ؟

المصلوب المهان. كيف يكون ملكاً ؟
كتب عبد الرحمن سليم البغدادي : ((عندما بشر الملاك جبرائيل العذراء مريم بميلاد المسيح (1) قال لها بأن الرب يجلس ولدها على كرسي داود ويملك على بيت داود إلى الأبد، ولا شك أن قول جبرائيل حق ووعد الرب صدق. فلو قلنا إن المهان المصلوب هو المسيح، للزم منه بطلان تلك البشارة الصادقة، هو محال. بالضرورة يثبت أن المهان المصلوب ليس هو ذات المسيح .. فالقول بأن المسيح هلك وما ملك يقضي السخرية والكذب من الرسل والبداء من المرسل والكل محال)) (2).

 

التعليق :
1 – يقول الكاتب : ((القول بأن المسيح هلك وما ملك يقضي السخرية والكذب من الرسل والبداء من المرسل والكل محال. وأقول إن القول برفع المسيح حياً إلى السماء دون أن يملك يقضي بمثل هذا وهذا أيضاً محال.
2 – يقول أيضاً : ((إن قول جبرائيل حق، ووعد الرب صدق .. وإن تلك البشارة صادقة)). وطبعاً هذا ينطبق على كل الوعد وليس على جزء منه. ومن هذا الوعد ((أن المسيح يكون عظيماً وابن العلى يدعي)) فهل يصدق المؤلف هذا ؟ أم أنه لا يعرف ما المقصود ب((ابن العلى))؟ أما إنه يأخذ من النص ما يفيد غرضه ويترك الباقي. هل يدرك المؤلف المعني المراد بابن العلى (3) أو ابن الرب ؟ إنه :

1 – تعبير يكشف عن عمق المحبة السرية التي بين المسيح والرب.
2 – يراد به إظهار المسيح لنا : هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا.
3 – ويراد به إظهار التشابه والتماثل في الذات وفي الصفات وفي الجوهر .. المسيح هو بهاء
______________
(1) (لو30:1-33) ((فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العلى يدعي، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية)).
(2) (الفارق بين المخلوق والخالق). عبد الرحمن سليم البغدادي. تحقيق د. أحمد حجازي. ط2. سنة 1987. ص471.وأنظر:
أ – المنتخب الجليل من تخجيل من حرف الإنجيل. ص314-315.
ب – الرد على النصارى. لأبي البقاء صالح بن الحسن الجعفري. تحقيق د. محمد محمد حسانين. مكتبة وهبة. ط1. سنة 1988. ص75.
(3) لم يقصد بها ولادة طبيعية ذاتية من الرب، وإلا قيل فيها ((ولد الرب)).
– ولم يقصد بها ما يقال عادة عن المؤمنين جميعاً إنهم ((أبناء الرب)) لأن نسبة المسيح للرب هي غير نسبة المؤمنين عامة.
– ولم يقصد بها تفرقة في المقام من حيث الكبر والصغر، ولا في الجوهر ولكن كما أشرنا بعالية.
مجد الرب ورسم جوهره. وقال هو عن نفسه ((من رآني فقد رأي الآب)) و ((أنا والآب واحد)). فهل يؤمن أن هذا القول حق، ووعد صدق، وبشارة صادقة ؟
ومن النص السابق نري أن السيد المسيح سوف يأتي ويكون عظيماً وابن العلى يدعي، يملك على بيت يعقوب إلى الأبد. وإذا كانت هذه هي محتويات النبوة، لصح هذا الاتهام، ولكن النبوة تقول ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية.

فالملك هنا أبدي لا نهاية له. وهذا يدل على أن هذا الملك لا يمكن أن يكون أرضياً محدداً بل هو ملك روحي، أو بالأخرى هو ملكوت الرب. وتم هذا الوعد بيسوع المسيح إذ رفعه الله بيمينه رئيساً ومخلصاَ (أع31:5). فهو يملك إلى الأبد سائداً على قلوب شعبه، ومملكته هي المملكة الوحيدة التي لا تنقرض، لأن المسيح لا يضطر إلى ترك مملكته بالموت كملوك الشر.
وقد أوضح السيد المسيح هذا الأمر لبيلاطس أثناء محاكمته له، عندما قال له بيلاطس : أفأنت إذن ملك ؟ أجاب يسوع : أنت تقول إني ملك (يو33:18-37). لأن بيلاطس بسؤاله السيد المسيح كان يعني (هل يمكن أن تكون ملكاً وأنت ضعيف وديع مهان مشكو ضدك كجان) .. وعندما أجابه السيد المسيح قائلاً : أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني ؟ فإنه قصد أن يبين لبيلاطس مراده بلفظة ((ملك)) قبل أن يجاوبه على سؤاله. فكأن السيد المسيح يريد أن يقول له : إن أردت بالملك ما يعنيه الرومانيون، أي هل أنا ملك أرضي كقيصر ؟ قلت لا. ولكن إن أردت بالملك ما يعنيه اليهودفي نبوات. فالجواب : نعم، واليهود عرفوا أن المسيح أعلن أنه ملك روحي، وأرادوا أن يفهم بيلاطس أنه ادعي كونه ملكاً أرضياً.
ثم قال السيد المسيح :مملكتي ليست من هذا العالم. ومعني هذا نعم إني ملك، ولكن مملكتي ليست أرضية مستندة على جيوش وأسلحة، إن أصل مملكتي روحي من السماء، وهي تسود على ضمائر الناس وقلوبهم طوعاً واختياراً، وسلطتها سلطة روحية، ويقوم انتصارها بانتشار الحق. هذه المملكة تأسست على موت السيد المسيح، ويسودها روح المسيح، وشريعتها إرادة الرب وغايتها مجد الرب وخلاص الناس وسعادتهم الأبدية.

لذلك لم يأذن السيد المسيح لأحد من أتباعه أن يحامي عنه. وسلم نفيه بلا معارضة لمن قبضوا عليه. أي أن مملكة المسيح ليست مملكة سياسية أرضية يسود فيها السيد المسيح لفترة حتى يقال كيف أن المسيح هلك وما ملك ؟ ولكنها مملكة روحية يسود فيها السيد المسيح المقام إلى الأبد. وبالتالي، فالاستنادإلى النص لإثبات عدم صلب المسيح وصلب أي شخص آخر هو رامية من غير رام.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات