١٠ – كيف يكون ابن الإنسان وسط تلاميذه وجالساً عن يمين القوة ؟

كيف يكون ابن الإنسان وسط تلاميذه وجالساً عن يمين القوة ؟
جاء في ص 124 من كتاب دعوة الحق قول السيد المسيح من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء (مت64:26).
ويستطرد الكاتب قائلاً : وابن الإنسان في إنجيل متي هو المسيح، والمتحدث يقول أنه من الآن أي من اللحظة التي هو يتحدث فيها، يبصرون ابن الإنسان على النحو الذي أشار إليه. فكيف يكون ذلك، إلا أن يكون المتحدث شخص آخر غير المسيح، إذ لا يمكن أن يكون هو نفسه المسيح واقفاً بينهم، وفي نفس الوقت يكون المسيح في مكان آخر جالساً عن يمين القوة آتياً على سحاب السماء ؟ لا شك إذن أن هذا المتحدث شخص آخر غير المسيح، ولذا حسب اعتقاده قال إنه في نفس اللحظة التي كان يتحدث هو فيها، يرون المسيح جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء.

التعليق :
أطلق السيد المسيح على نفسه لقب ابن الإنسان كثيراً. فقد ورد هذا اللقب أكثر من ثلاثين مرة في إنجيل متي وخمسة عشر مرة في إنجيل مرقس، وخمساً وعشرين مرة في إنجيل لوقا، وفي يوحنا اثنتي عشرة مرة. وقد ذكر مرة واحدة في حديث إسطفانوس (أع56:7) ومرة في رسالة العبرانيين (عب6:2)، ومرتين في سفر الرؤيا (رؤ13:1 ، 14:14).
لماذا استخدم المسيح هذا اللقب في الإشارة إلى شخصه ؟
أ – إن لقب ابن الإنسان يتضمن أنه ((المسيا)) ولكنه تجنب استخدام الأسماء المباشرة للمسيا وذلك لأن المعاصرين من اليهود لم يكونوا على استعداد لقبول إعلانه ذلك.
ب – لقد ارتبط تجسد المسيح منذ بداية خدمته بقلب ابن الإنسان (يو13:3). ويبدو سموه الفريد في كلماته لنيقوديموس ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء. وهذه العبارة الأخيرة ((الذي في السماء)) تتضمن وجوده في كل مكان، وفي نفس الوقت دليلاً على لاهوته. ((فابن الإنسان)) إذن هو ((الرب من السماء)) ظاهراً في صورة بشرية على الأرض، وفي نفس الوقت هو في السماء.
إذن لقب ابن الأنسان (*) يعني السيد المسيح. وحيث أن السيد المسيح هو الإله المتجسد في صورة بشرية، إذاً من الممكن أن يكون معهم بالجسد، وفي نفس الوقت لاهوتياً جالساً عن يمين القوة، وآتياً على سحاب السماء. ثم يجيب ألا يغرب عن أذهاننا أن الجلوس عن يمين القوة لا يعني المكان لأن الرب روح ليس محدوداً بمكان؛ والمعني هنا مجازي يشير إلى المجد والكرامة والسلطان.

وبالتالي فهذا القول لا يعني بالمرة أن الشخص المتحدث هنا ليس هو السيد المسيح.
2 – إن كلمة ((من الآن)) لا تعني هذه اللحظة التي يتكلم فيها الشخص الذي يحاكم أمام الكهنة، حتى كان يجوز الظن أن هذا الشخص هو يهوذا، لأن الكهنة لم يروا المسيح وقتئذ جالساً عن يمين الرب أو آتياً على سحاب المجد.
ويتضح هذا من الترجمات الإنجليزية :
1 – I say unto you، here after ye shall see the son of man (K.J).
2 – The time has come when you will see. (Rieu).
3 – Shortly you will see (Ber).
4 – In the future you will see. (Mof).
_______________
(*) من هو المصلوب :
دائرة المعارف الكتابية. مجلد 2. ص214-216.
* ويذكر عبد الكريم الخطيب أن كلمة ابن الإنسان التي ترد على لسان السيد المسيح تحمل في مضمونها المعني الذي يراد من كلمة ((قضية الألوهية)) ج2. ص259.
* ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد : أما الصفة التي أثبتت له (ع) في طوية ضميره فقد تكررت في كلامه عن نفسه على صور شتي، فهو نور العالم، وخبز الحياة، والكرمة الحقيقية وهو ابن الرب، وابن الإنسان .. إن كلمة ابن الإنسان قد جاءت أحياناً مرادفة لضمير المتكلم ((أنا)) حين يتكلم المسيح عن نفسه. (مت10،16 ومر13 ومر8 ولو12). حياة المسيح. ص184-186.
* وكتب الأستاذ خالد محمد خالد : فوق أرض فلسطين، شهد التاريخ يوماً، إنساناً شامخ النفص، مستقيم الضمير، بلغ الإنسان في تقديره، الغاية التي جعلته ينعت نفسه. بابن الإنسان. وابن الإنسان هذا، ذو التعبير الإلهي تتركنا كلماته، ويتركنا سلوكه ندرك إدراكاً وثيقاً الغرض العظيم الذي كابد تحقيقه، ألا وهو إنهاض الإنسان وإزهار الحياة. نلتقي بالمسيح ينعت نفسه كثيراً بأنه ابن الإنسان بيد أن ابن الإنسان هذا لم يعرف فؤاده الذكي أية تخوم بين الآب والرب. لقد تخطي حدود النسب الأرضي وجاوزها جميعاً .. فالمسيح ينعت نفسه بأنه ابن الإنسان ويكررها كثيراً. أن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس، بل ليخلص … (معاً على الطريق محمد والمسيح). ص6،55،7.
5 – You will in the future see the son of man. (Ant).
6 – In the future (N.iv).
Here after، in the future، shortlyفكلمة ((الآن)) ترجمت
وهي تعني في المستقبل أو فيما بعد أو بعد قليل.
3 – إن الفعل ((تبصرون)) لا يرد في اللغة اليونانية– اللغة الأصيلة للإنجيل –في صيغة المضارع، بل في صيغة المستقبل، وترجمته الحرفية ((ستبصرون)). وقد ترجم إلى اللغة العربية ((تبصرون)) لأن الفعل المضارع في اللغة العربية إذا لم يسبقه حرف ((لم)) فإنه يدل على الحال والاستقبال معاً (شرح شذور الذهب. ص61).
You will seeوهذا واضح في الترجمات الإنجليزية – المذكورة سابقاً – حيث جاء الفعل صيغة المستقبل
وأيضاً في الترجمات العربية الحديثة وأنا أقول لكم : سترون اليوم ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء. ((وأقول لكم أيضاً إنكم منذ الآن سوف ترون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة ثم آتياً على سحاب السماء)).
4 – آتياً على سحاب مجده تعني تبرير وتمجيد ابن الإنسان في السماء. وقد جاء في (دا13:7-147-14) كنت في رؤي الليل وإذ مع سحب السماء مثل ابن الإنسان أتي وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لن ينقرض.
فعلى ضوء هذه الآيات نجد أنها تعني مجيئ ابن الرب ليعطي ملكوتاً. والعبارتان تشيران إلى نفس حالة المجد، وليس إلى موقفين متعاقبين أو حدثين منفصلين، بل تشير إلى فترة تبدأ من الآن، لأنه سرعان ما سيتضح سلطان ومجد السيد المسيح. أي أن هذا النص يشير إلىمجيء السيد المسيح إلى الآب. وهذا ما حدث بعد فترة قصيرة من القول به، عندما قام السيد المسيح وجلس عن يمين الرب وهو الآن في سلطانه الأسمى، وهو سلطان يصل إلى ذروته عندما يروا يسوع كديان للعالم.
5 – إن القول ((تبصرون ابن الإنسان))، وليس تبصرونني، لا يدل على أن السيد المسيح لم يكن هو المتكلم، بل على العكس يدل على أنه هو بعينه، لأنه هو الذي كان قد استعمل هذا اللقب عن نفسه. وقد قال لليهود عن نفسه من قبل وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه.
كما قال لهم إن لابن الإنسان سلطاناُ على الأرض أن يغفر الخطايا (مر10:8). ولم يقل إن لي سلطاناً أن أغفر الخطايا، الأمر الذي يدل على أن الشخص الذي كان يحاكم أمام الكهنة هو السيد المسيح (*) وليس يهوذا أو أي شخص آخر.
_____________
(*) من هو المصلوب.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات