الباب العاشر: لا تناقض في أسفار الكتاب المقدس أو ترجماته

يقول الرب الإله لا أنقض عهدي ولا أغير ما خرج من شفتي (مز89: 34) والله ليس عنده تغير ولا ظل دوران (يع1: 17) وقد أوضح السيد المسيح، له المجد. هذه الحقيقة قائلاً: لا يمكن أن ينقض المكتوب (يو10: 35) وأوضح أن إنجيله المقدس ليس فيه شيء يناقض العهد القديم، فقال ما جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقص بل لأكمل. وإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحداً أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ( مت5: 17-18).
ولكن البعض من أجل الإساءة إلى الكتاب المقدس، أو لعدم فهمهم له، ولمجرد القراءة السطحية، بقلب غير سليم أو للجهل بأساليب دراسة الكتاب المقدس أو نتيجة عدم طلب مشورة ومعونة الرب ليفتح أذهانهم لفهم معانى كلماته الجليلة المقدسة، يتصورون أن هناك تناقضاً بين نصوص الكتاب المقدس وبعضها وها نحن نستعرض أشهر وأهم المتناقضات المزعومة لنرى حقيقة الأمر بها:

ماذا حدث عندما ظهر السيد المسيح لشاول الطرسوسي:
قال المعترض: ((ومن مثل ذلك أيضاً ما نطلعه في سفر أعمال الرسل. أشير في هذا السفر مرتين إلى واقعة واحدة قيل أن المسيح، عليه السلام، ظهر لشاول الذي لقب بعد ذلك ببولس الرسول.
وفي المرتين أشير إلى من كانوا مع شاول من حيث شعورهم بهذه الواقعة. وفي ذلك نقرأ في الإصحاح التاسع أما الرجال المسافرون معه فوقفوا صامتين يسمعون الصوت ولا ينظرون أحداً
ونقرأ بعد ذلك في نفس السفر عن نفس الواقعة على لسان شاول نفسه، الذي لقب ببولس الرسول، والذين كانوا معي نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمني (ص22: 29)،
وهنا نرى التناقض بيناً، فما هي الحقيقة من كل ذلك إن كانت أي الروايتين حقيقية، ومهما قيل فلن يمكن القول إلا بأن إحداهما على الأقل غير صحيحة)) (دعوة الحق صفحة222).
التعليق: بقليل من التأمل نرى أن الروايتين(*) متفقان على أن الرجال الذين مع شاول نظروا النور وارتعبوا ووقفوا صامتين ولم يروا شخص السيد المسيح. وأنهم سمعوا الصوت كدوى لكنهم لم يسمعوا الصوت بوضوح ولم يسمعوا شيئاً من كلماته، فلا تناقض.
(*)لم ندخل بعمق في هذا الموضوع لوجود العديد من الكتب الخاصة به مثل حل مشكلات الكتاب المقدس للقس منيس يوحنا، شبهات وهمية للقس منيس عبد النور و…. إلخ .

وذلك تماماً كما حدث للمسيح وهو يصلى قائلاً أيها الآب مجد اسمك فجاء صوت من السماء مجدت وأمجد أيضاً. فالجمع الذي كان واقفاً وسمع قال قد حدث رعد، وآخرون قالوا قد كلمه ملاك (يو12: 28-29)
فالمسيح هنا سمع الصوت وميز معانيه، وأما الجمع فسمعوا الصوت ولم يميزوه، فالبعض ظنه دوى رعد، والبعض الآخر ظنه كلاماً ملائكياً)) دون أن يفهموا شيئاً.

موسى وكتابة التوراة:
يقول المعترض: ((إنه لا يمكن أن يكون موسى أو الرب قد كتبا التوراة، بل كتبها ثالث يتحدث عنهما بصيغة الغائب ((قال الرب .. قال موسى)) !
التعليق: ونقول لهم إن الرب لم يكتب حرفاً واحداً لا في التوراة أو إنجيل ولا يمكن أن يدعى أحد أنه فعل ذلك في أي كتاب غيرهما، فلم يكتب الرب سوى الوصايا العشر على لوحى الحجارة.
ولكنه أوحى لموسى بالتوراة وأملى عليه معظمهما. وتكرر في الأسفار الخمسة عبارات مثل ثم تكلم الرب بجميع هذه الكلمات قائلاً (خر20: 1) وقد كتب موسى عشرات المرات بصيغة المتكلم كما تحدث أيضاً بضمير الغائب، وليس موسى وحده الذي فعل ذلك بل إن كل الكتب الدينية يتكلم فيها متكلمون عن أنفسهم بصيغة الغائب كما يتحدثون أيضاً بصيغة المتكلم، ولا يمكن لأحد أن يدعى غير ذلك، وهذا يحدث أيضاً في كل الكتب التاريخية مثل تاريخ هيرودت وغيره.
أما قصة موت موسى فقد كتبها تلميذه يشوع بن نون.

اختلاف سلسة نسب المسيح عند كل من متى ولوقا:
تصور الكثيرين أن الاختلاف في سلسة نسب المسيح عند كل من متى ولوقا يدل على عدم صحتهما! ونقول لهم لو كان ذلك صحيحاً لكان أول من قال به اليهود الذين عاصروا الرسل، ولما لم يعترضوا على ذلك، فهذا يدل كلتا السلسلتين صحيحتان100% فقد سجل متى سلسلة نسب المسيح من جهة يوسف خطيب العذراء مريم، والده بالتبني ليثبت أنه الوريث الشرعي لداود، لأن يوسف سليل داود الملك من جهة ابنه سليمان. وما يبرهن على ذلك القول يعقوب والد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح (مت1: 16) فهو يؤكد حق المسيح الشرعي في ملك داود، بينما يسجل لوقا سلسلة نسب المسيح من جهة مريم العذراء ابنه هالى، كما اقتبس جودت Godet من التملود (بابا باذرا 110) الذي يقول إن ((مريم أم يسوع كانت تدعى ابنة هالى)) ويؤكد ذلك قول القديس لوقا عن السيد المسيح وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالى (لو3: 23)، ((على ما كان يظن)) ولكنه في الحقيقة ليس ابنه، وهو هنا لا يهتم بنسبه الشرعي ليوسف والده بالتبني مثل متى، وإنما يهتم بنسبه الجسدي من مريم، وبالتالي وراثته لهالى جده وسليل داود أيضاً من ابنه ((ناثان)). وهناك شيء آخر يظهر في النص الأصلي اليوناني، وقد جاء كالآتي: Uios Ws Enomieto Iwsef Tou Eli)) wn
((being Son as was supposed of joseph of Eli))

وقد حذف النص اليوناني أداة التعرف Tou والتي= of The من أمام اسم يوسف بينما وضعت أمام بقية أسماء السلسلة، وغياب هذه الأداة من أمام اسم يوسف دون بقية الأسماء وضعته في موقع خاص مما يؤدى إلى الاعتقاد بأن سلسلة النسب ليست ليوسف بل ل((هالى)) والد العذراء مريم، ومن ثم يصبح يسوع المسيح ابن العذراء مريم وحفيده الأكبر، الوريث الشرعي لهالى والابن الكبر له، وكان من المعتاد أن يلقب الحفيد في العهد القديم بالابن (قارن على سبيل المثال 1أخ8: 1-3 مع تك 46: 21، عزرا5: 1، 6: 14 مع زك1: 1-7 ).
من هم كتبة الإنجيل الأربعة:
قال المعترض: إن متى وبقية كُتاب الأناجيل لم يكتبوها لأنهم لم يضعوا أسماءهم عليها، إنما كتبها مجهولون، ووضعت عليها عبارات مثل((بحسب متى)) أو((كما دونه يوحنا)) لتلقي قبولا عند المسيحيين !! ويقولون إن ما جاء في (متى9:9) وفيما يسوع مجتاز من هناك رأي إنساناً جالسا” عند مكان الجباية اسمه متى. فقال له اتبعني فقام وتبعه يدل على أن الكاتب ليس متى. ويستدلون من قول أحد رجال الكنيسة الإنجليزية ويدعى فيلبس على أن كاتب متى مجهول، وقد اعتمد على مجموعه من التراث الشفوي وعلى إنجيل مرقس، ويقولون أيضاً كيف يعتمد متى وهو شاهد عيان على أقوال مرقس الذي كان في وقت المسيح في العاشرة من عمره!!

التعليق: لقد جانبهم الصواب في كل هذه الادعاءات.
أولا: لأن الإنجيليين الأربعة لم يدونوا تاريخ حياتهم أو سيرتهم الذاتية لكى يكتبوا أسماءهم عليهم، وإنما كتبوا كتاب ميلاد يسوع المسيح (متى1:1) إنجيل يسوع المسيح ابن الله (مرقس1:1) قصة الأحداث التي جرت بيننا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء شهود عيان وخداماً للكلمة (لوقا 1:1و2) جميع ما ابتدأ يسوع بفعله ويعلم به إلى اليوم الذي أرتفع فيه (أع1: 1-9) يعبر القديس يوحنا عما دون في الأناجيل ككل بقوله: وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع المسيح ابن الله ولكى يكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه (يو20: 31). كان كل هدفهم هو شخص السيد المسيح، أعماله وأقواله وشخصيته، فإن هذا هو الإنجيل.
ثانياً: نستخدم عبارات ((كما دونه القديس…)) أو((بحسب… According to)) لأن الإنجيل واحد وقد دونه ((القديس مرقس)) أو((القديس متى)) أو(( القديس لوقا)) أو ((القديس يوحنا))لأنهم جميعاً دونوا الإنجيل الواحد وليس أربعة أناجيل. الإنجيل الواحد من أربعة أوجه.

ثالثاً: أما ادعاء الملحدين بأن كاتب إنجيل متى مجهول فهو ادعاء باطل، وقد نادت به مدرسة توبنجن الملحدة للنقد، وتأثر بعض رجال الكنيسة أمثال المدعو، فيلبس، بآرائها. فهذه المدرسة ترفض فكرة الوحى من أساسها، وقد أجمع التسليم الرسولي وتقليد الكنيسة الباكر على
أن متى هو مدون الإنجيل الأول المعروف باسمه، وقد أجمع على ذلك خلفاء و تلاميذ خلفاء الرسل أمثال بابياس(60-130 م)واريناؤس(120-202م) واريجانوس (185-230م) ويوسابيوس القيصري(قبل340م) وجيروم(385م) (أنظر يوسابيوس ك 2ف5، ك3ف33، ك5ف10، ك3ف24، تفسير متى 12: 13 للقديس جيروم) .

رابعاً: كان مرقس في وقت السيد المسيح شاباً يافعاً وقد أجمع المفسرين على أنه هو الشاب الذي كان يرتدى أزاراً على عريه ليلة القبض على السيد المسيح ((مر14: 51))، كما أجمعوا على أنه ((رب البيت)) الذي تناول فيه السيد المسيح الفصح مع تلاميذه(مر14: 14)، وكانت أمه مريم أم يوحنا الملقب مرقس (أع12: 12) إحدى التلميذات، وكان بيتها هو عليه صهيون الذي كان الرسل ومريم العذراء يجتمعون فيها بعد الصعود والتي حل فيها الروح القدس، وكانت مقر الرسل في أورشليم وأول كنيسة في العالم (أع1: 13-14، 2: 1-4). وكان مرقس كما يقول أورجانوس وغيره كما تؤمن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية، أحد الرسل السبعين، وتلقبه كنيستنا بـ((ناظر الإله الإنجيلي)) باعتباره شاهد عيان للمسيح. وعندما دون إنجيله سجل فيه ما رآه وسمعه كشاهد عيان، كما سجل فيه أيضاً شهادة شهود العيان الآخرين، الرسل الذين كان يتقابل معهم في بيته، عليه صهيون ويسمع منهم ما لم يره هو شخصياً، وكان عندما دون الإنجيل بالروح القدس لا يقل عمره عن 45 أو 50 سنة.

ترجمات الكتاب المقدس :
عادة ما يتم ترجمة بعض الكتب إلى لغة شعب أخر إذا كان محتوى هذه الكتب صالحاً ونافعاً للبيئة المترجم إليها. وكلما ذادت الترجمات دل ذلك على صلاحية الكتاب لكثير من الشعوب. والكتاب المقدس أول كتاب في التاريخ يترجم من لغته الأصلية (العبرانية) إلى اللغة اليونانية 250 ق.م بما عرف بالترجمة السبعينية، نسبة إلى 72 شيخاً يهودياً قاموا بترجمته في الإسكندرية بأمر من بطليموس، حسب نصيحة مدير مكتبة الإسكندرية اليهودي الذي بشره بالخير العظيم الذي يحل على البلاد إذا ترجم الكتاب (التوراة) إلى اللغة اليونانية. وبالفعل أحضر بطليموس 72 شيخاً من فلسطين، ووضع كل واحد منهم في حجرة منفصلة ليضمن سلامة الترجمة التي قارنها يبعضها في النهاية فكانت واحدة.
واليوم ذات ترجمة الكتاب المقدس إلى ألفي لغة ولهجة، ومازال الاحتياج موجوداً والترجمات مستمرة، فهو الكتاب الوحيد الذي تحتاجه الشعوب لأنه إعلان الرب عن نفسه لبنى البشر .
لقد كتب الكتاب المقدس أصلاً باللغات العبرية والآرامية و اليونانية. فقد كتبت جميع أسفار العهد القديم باللغة العبرية – لغة بنى إسرائيل، فيما عدا أجزاء قليلة ( عزرا4: 8) إلى 6:18، 7: 12- 26 و إرميا 10: 11 ودانيال 2: 4 إلى 7: 28) كتبت أسفار العهد الجديد باللغة

اليونانية (الكوينيني konini) العامة التي كان يتحدث بها ويفهمها الناس في
أنحاء الإمبراطورية الرومانية في القرون المسيحية الأولى.

أولا: ترجمة أسفار العهد القديم :
نظراً لتواجد اليهود و تشتتهم في بلاد كثيرة وتحدثهم بلغات عديدة، كانت هناك حاجة ماسة لترجمة الكتاب المقدس إلى هذه اللغات، خاصة مع انتشار المسيحية في العالم أجمع فتمت ترجمة العهد
القديم إلى اللغات الآرامية و اليونانية و السريانية.
1-الترجمة الآرامية:
كانت ترجمة شفوية من العبرية إلى الآرامية منذ القرن الرابع قبل الميلاد. ومع الوقت دونت في كتب دعيت ترجمات .
2-الترجمة اليونانية ( السبعينية):
سبقت الإشارة إليها وهذه الترجمة التي أستخدمها وأستشهد بها كتاب العهد الجديد وكان مستخدمة من يهود الشتات ثم الكنيسة المسيحية. وهناك ثلاث ترجمات أخرى هامة للعهد القديم ترجمت إلى اليونانية هي:
أ- ترجمة أكويلا (150م).
ب- ترجمة ثيودوثيون (161-180م).
ت- ترجمة سيماخوس (القرن الثاني الميلادي)
3-الترجمة السريانية:
بدأت في العصور الأولى المسيحية، وكان ذلك مرتبطاً بانتشار المسيحية.
ثانيا: ترجمة أسفار العهد الجديد:
كتب أسفار العهد الجديد باللغة اليونانية لغة التجارة والسياسة والكتابة المفهومة في كل أنحاء الإمبراطورية الرومانية في القرون الأولى في المسيحية. ومع مرور الزمن وانتشار المسيحية في أجراء كثيرة لا تتكلم اليونانية كان من الضروري ترجمة أسفار العهد الجديد إلى لغات أخرى لتوصيل البشارة المفرحة إلى الجميع وبكل اللغات وبذلك تواجدت عدة ترجمات:

(1) الترجمة السريانية:
هي من أقدم الترجمات التي ترجم إليها العهد الجديد، فقد دعي التلاميذ أتباع المسيح لأول مرة (مسيحيين) في أنطاكية بسوريا. وقد وجد العهد القديم في الكنيسة السريانية الأولى عن طريق يهود فلسطين.
وقد ترجمت عدة ترجمات للسريانية ترجع إلى بداية القرن الثاني الميلادي، وعلى رأس هذه الترجمات ((البشيتا)) ((أو البسيطة))أي العامة. وهناك عدة ترجمات أخرى إلى السريانية مثل الفيلوكسينيان والسريانية الفلسطينية.. إلخ.

(2) الترجمة اللاتينية:
بدأ ظهور ترجمات في شمال أفريقيا ابتداء من القرن الثاني. ثم قام القديس جيروم بإعداد ترجمة رسمية للعهد القديم عن العبرية مباشرة وللعهد الجديد عن اليونانية مباشرة ، ودعيت هذه الترجمة بالفولجاتا، أي العامة، وأصبحت معتمدة بالكنيسة الكاثوليكية على مدى عشرة قرون.

(3) الترجمة القبطية:
انتشرت المسيحية في مصر، خاصة في الإسكندرية و الوجه البحري باللغة اليونانية. ثم قام العلامة بنتبوس رئيس مدرسة الإسكندرية(181م) بإدخال الأبجدية القبطية من الحروف اليونانية إلى جانب سبعة حروف من اللغة الديموطيقة، وبدأ عملية ترجمة العهد الجديد إلى القبطية باللهجة الصعيدية. وقد استغرقت ترجمة العهد الجديد قرناً كاملا. ويرجع أقدم شاهد لهذه الترجمة إلى حوالى سنة 300م، وهو مخطوط على ورق البردى محفوظة في المتحف البريطاني . ثم تلى ذلك ترجمات مصر الوسطى ،مثل الأخميمية والفيومية، ثم الوجه البحري، مما يدل على أن أهل الإسكندرية والوجه البحري لم يكونوا في حاجة لترجمة عن اليونانية إلا في وقت لاحق. وتوجد من هذه الترجمات جزيئيات عن الأخميمية و الفيومية ترجع إلى القرنين الرابع و الخامس.

(4) ترجمات أخرى:
وهناك ترجمات عديدة مثل الأرمينية و الجورجية و الأثيوبية و العربية والجوثية والسلافية وغيرها من الترجمات التي بدأت في القرن الرابع وما تلاه.
ثالثاً: الترجمات الحديثة للكتاب المقدس :
ترجم الكتاب المقدس في العصور الحديثة إلى لغات و لهجات كثيرة تعدت آلاف بكثير، وعلى رأس هذه اللغات التي ترجم إليها الكتاب المقدس حديثاً اللغة الإنجليزية والتي هي اللغة الرسمية لدول كثيرة في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا وأفريقيا وأسيا، كما أنها اللغة الأجنبية الأولى لكثير من المتعلمين و المثقفين في معظم دول العالم . وبالتالي فهي أكثر لغة يترجم إليها ويطبع بها الكتاب المقدس.
وقد ترجم الكتاب المقدس إلى الإنجليزية في القرن السادس عشر، وكانت ترجمة الملك جيمس (KJV) التي نشرت سنة 1611م على رأس هذه الترجمات وقد اعتمدت هذه الترجمة على مخطوطة ترجع للقرن الرابع عشر وقيل عنها إنها ((أنبل أثر للنثر في الإنجليزية)). كما أبدا منقحها سنة 1881 إعجابهم ببساطتهم وجلالها وقوتها.

ومع ذلك فقد كانت هناك حاجة ماسة لمقابلتها بالنصوص الأصلية وتنقيحها وعمل ترجمات جديدة كل فترة من الزمن للأسباب التالية:

1- اكتشاف مخطوطات قديمة ترجع للقرون الثاني و الثالث و الرابع للميلاد للعهد الجديد، وهذه المخطوطات الأكثر قدماً ساعدت العلماء بدرجة عظيمة على تحقيق واستعادة الكلمات الأصلية للنص اليوناني والعبري.

2-الدراسات الحديثة التي حدثت في مجال اللغات القديمة، وقد ساعدت على أدراك وفهم كثير من الكلمات العبرية.

3- التغيير الذي يحدث باستمرار في اللغة الإنجليزية وهذه التنقيحات لا تعنى إحداث تغيير أو تبديل للكلمات الأصلية في لغاتها الأصلية، بل هي ترجمات من العبرية و اليونانية في أقدم مخطوطاتها المتاحة إلى اللغة المترجم إليها، سواء كانت الإنجليزية أو العربية أو غيرها وصياغتها في أدق كلماتها المعاصرة وفي أحسن صورها الأدبية، مع مراعاة الترجمات المألوفة للناس واستخدام مفردات لغوية مفهومة من الجميع، مع ملاحظة أن النصوص الأصلية العبرية و اليونانية لا تمس، وإنما التنقيح يحدث في الاسلوب اللغوي و الأدبي للغة المترجم إليها. وهذه الترجمات الحديثة يقوم بها علماء متخصصون في اللغات القديمة و الحديثة و اللاهوت و الكتاب المقدس.
اعتراضات على الترجمات

يحاول البعض الاعتراض على أي شيء والتشكيك في كل شيء ومن بين اعتراضاتهم:

1- العذراء أم الشابة:
جاء في(إشعياء7: 14) يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء، تحبل و تلد أبناً وتدعو اسمه عمانوئيل. قالوا إن الكلمة المترجمة((عذراء))، في العبرية ((علماه)) ومعناه ((الشابة)) وليست ((بتولاً))ومعناها((عذراء)) بدليل أن الترجمة الإنجليزية المنقحة RSV طبعة 1952 أصلحت هذا الخطأ وترجمتها((Young Women )) ((الشابة)).
التعليق: الحقيقة التي يجب أن يعرفوها هي أن كل من كلمتي ((علماه)) و ((بتولاً)) في العبرية تعنيان العذراء و البكر و الفتاة أو الشابة التي لم تعرف رجلاً وأن كلمة((بتولاً)) هي الكلمة العامية لـ ((علماه)) ، بل أن كلمة ((علماه)) أكثر دقة من كلمة ((بتولاً))، فقد جاءت ((بتولاً)) بمعنى الأرملة العفيفة في (يوئيل 1: 8) نوحى يا أرضى كعروس(بتولاً) مؤتزرة بمسح من أجل بعل صباها وردت كلمة((علماه)) سبع مرات في العهد القديم( تك24: 43، 44)و(نش1: 3، 6،خر2: 8،أم 30: 19،مز68: 26،أش7: 14)عن رفقة عروس اسحق قبل الزواج وعذارى النشيد في مرحلة ما قبل الزواج، والعروس التي لم يدخل عليها عريسها
بعد وعذارى التسبيح. كما جاءت بمعنى عذراء، بكر بتول ، فتاة أو شابة أو صبية وصلت تواً للبلوغ، عذراء في بداية سن الزواج ولكن لم يدخل عليها رجل. وسواء ترجمت كلمة ((علماه))في (أش7: 14) بالعذراء أو الشابة فهذا لا يغير من جوهر معناها، إذ أن النبوة تقول يعطيكم السيد(( آية)). والآية هي أن تحبل العذراء بدون زرع بشر وليست الشابة المتزوجة. وهذا ما فهمه علماء الترجمة اليونانية السبعينية في القرن الثالث قبيل الميلاد، إذ ترجموها((بارثينوس- Pantheons- العذراء). وهذا ما أكده الوحى أيضاً في الإنجيل الذي دونه القديس (متى 1: 23) لكى يتم ما قيل(( من الرب بالنبى القائل. هوذا العذراءParthenos)) تحبل و تلد أبناً

2- ابن الرب الوحيد:
((مولود غير مخلوق)): جاء في (يوحنا 3: 16) هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به وترجمت عبارة ((ابن الرب الوحيد في ترجمة الملك جيمس KJ الانجليزية (1611) ((His Only Begotten Son)) ثم ترجمت في الترجمة المنفحة RSV ((1952)) ((His Only Son)) بدون ((Begotten)) وتعنى (( المولود))، وتصور البعض أنه بحذف الكلمة ((Begotten)) تم تصليح أحد التحريفات في الكتاب المقدس، وأنهار أساس عبارة ((مولود غير مخلوق)) بل وأنهار أساس بنوة الابن للآب!!
التعليق: الحقيقة غير ذلك تماماً: أولاً: لآن المسألة هي مسألة ترجمة من لغة إلى أخرى وكل جماعة مترجمين يختارون أدق الكلمات في اللغة التي يترجمون إليها لتعطى معنى الكلمة الأصلية ، اليونانية أو العبرية، بكل دقة وأمانة. وعبارة ((ابن الرب الوحيد)) هي في الأصل اليوناني((Ton Uion Ton Monogeny)) وهي حرفياً كما جاءت الطبعة اليونانية المنقحة ((The Son The Only Begotten)) فكلمة ((Monogeneses)) اليونانية فاعل كلمة ((Monogeny)) تعنى ((وحيد الجنس)) إذ أن ((Mono)) = وحيد ، وgenes = جنس ، أي ((وحيد الجنس)) أو ((المولود الوحيد)) ،ويمكن أيضاً أن تترجم ((الابن المتفرد)) Unique، ومن هذا يتضح لنا أن كل من ترجمة الملك جيمس KJ والترجمة المنقحة RSV لم تغير أو تبدل المعنى الأصلي للكلمات اليونانية الأصلية ، بدليل أن الكلمة المنقحة RSV بعد أن ترجمت العبارة His Only Son)) أضافت في الهامش ((Or his only begotten son)) أما ((عبارة مولود غير مخلوق))، والتي تصور أحدهم أن أساسها قد أنهار و التي زعم أيضاً أنه لم يجد بين المسيحيين أن يشرح له معناها! فنوضح ونقول للجميع أن أي عقيدة مسيحية لا تبنى على آية واحدة أو عبارة واحدة ، وإنما تبنى على عشرات الآيات . وعبارة ((مولود غير مخلوق))
تعنى بنوة المسيح، كابن الرب بلاهوته، للرب الأب، إذ هو(( كلمة الرب)) الأزلي وكلمة الرب، ونطق الرب العاقل الصادر من ذات الرب بالولادة الروحية غير المدركة، والتي تسموا فوق العقل والحس والإدراك والجنس، في كامل التنزيه و التجريد والتوحيد. والابن ككلمة الرب، وصورة الرب غير المنظور ((كو1: 15)، بهاء مجده ورسم جوهره (عب 1: 3)، قوة الله وحكمة الله (1كو 1: 24)، عقله الناطق ونطقه العاقل، نطقه الذاتي الذي يصدر من ذات الأب كنور من نور، ((الرب نور)) (1يو1: 5)، وابن الرب((نور العالم)) (يو8: 12) ((النور الحقيقي)) (يو1: 9) ((نور الرب))، بهاء مجد الرب، ضياء مجد الرب، صورة الرب غير المنظور، صورة جوهرة، إذ هو ((نور من نور)) ، نور مولود من نور بدون انفصال ، بلا بداية أو نهاية ، من ذات الرب الآب وفي ذاته أنت أبنى أنا اليوم ولدتك (مز2: 7).
هذه الحقيقة أعلنها السيد المسيح نفسه بإعلانه ((ابن الرب))الذي ((من ذات الرب)) و((في ذاته))، السماوي للآب والواحد معه في الجوهر: أنا والآب واحد (يو10: 30) كل ما للآب هو لى (يو16:5)مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لى عندك قبل كون العالم (يو17: 5)) أنا الألف و الياء الأول والأخر. البداية و النهاية (رؤ22: 3)، وقد أدرك اليهود المعاصرون للمسيح هذه الحقيقة وفهموها من كلامه فقالوا له: فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً ( يو10: 33). قال إن الله أبوه مساوياً نفسه بالله (يو5: 18) .
وأكد الوحى هذه الحقيقة بقوله 🙂 فمع أنه في صورة الله لم يعد مساواته لله غنيمة (في 2: 5).

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات