الباب الثالث : حوار حول التجسد

القمص زكريا بطرس
التجسد
(2) المضيفة: في الحلقة الماضية ناقشت: موضوع هل محمد نبي حقيقي مرسل من الرب؟ وفي هذه الحلقة نريد أن نبحث عن الحق بخصوص طبيعة المسيح. هل هو الرب، أم ابن الرب؟
أبونا: هذا بالفعل موضوع هام، يقف حجر عثرة أمام المسلم الذي يريد أن يصل للحق، خاصة وأن القرآن قد تعرض كثيرا” لذلك كما يتضح من الآيات التالية: (1) (سورة المائدة 17) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم (2) (سورة التوبة30) “وقالت النصارى المسيح ابن الله” (3) (سورة الإخلاص 3) قل هو الله أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

(3) المضيفة: ما هو رد قدسك على الآية القائلة: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم؟
أبونا: (1) هذه ليست عقيدة المسيحيين الحقيقيين الذين لم يعرفهم محمد (2) لأن محمد لم يعرف إلا بدعة النصرانية، التي كانت منتشرة في الجزيرة العربية (3) ومن تلك البدع هرطقة أوطاخي كما جاء في كتاب (تاريخ الكنيسة القبطية ص 257 المؤلف: القس منسى يوحنا، الناشر: مكتبة المحبة القاهرة، سنة 1983م) وأوطاخي أنكر ناسوت المسيح أي أنكر أن المسيح كان إنسانا كاملا ظهر فيه اللاهوت (4) فحرمته الكنيسة وأوضحت حقيقة المسيح الصحيحة وهي: أن المسيح إنسان بشري كامل ظهر فيه الرب (5) وهذا ما يقوله الكتاب المقدس في (1 تيموثاوس 3: 16) “عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد”

(4) المضيفة: قد يسأل مسلم من الباحثين عن الحق ويقول: كيف يظهر الرب في جسد مادي؟
أبونا: في الإسلام أدلة وبراهين على: (1) تجلي الرب لجبل مادي: كما جاء في (سورة الأعراف 143) “وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أرني أَنْظُرْ إِلَيْكَ. قَالَ: لَنْ تَرَانِي، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي. فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا (2) وأيضا تجلي الرب في شجرة: كما جاء في (سورة القصص 29 و30) فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ العَالَمِين“. (3) وتعليقا على ذلك، جاء في كتاب (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ج 9 ص 52، المؤلف: العلامة أبي الفضل شهاب الدين الألوسي، النشار: دار إحياء التراث العربي بيروت) “لقد تجلي الرب تعالى في الشجرة لموسى عليه السلام” (4) وعن هذا تحدث الشيخ الشعراوي عن تجلي الرب في بعض خلقه: (فيديو) (5) تعليق: على قول الشعراوي الرب ما يقدرش يتجلى في الإنسان لأن الإنسان لا يحتمل، أقول هذا صحيح، وذلك لأن طبيعة الإنسان الخاطئ تجعله لا يحتمل تجلي اللاهوت وإلا احترق، ولكن الشخص الوحيد الذي يحتمل تجلي الرب فيه هو المسيح لأنه خال من الخطية والذنوب.

(5) المضيفة: هذا كلام رائع وإثباتات من القرآن وكتب الإسلام على تجلي الرب في المادة. فهل من مزيد؟
أبونا: ندعو الباحث عن الحق أيضا أن يلاحظ (1) تجلي الرب في شجر العنب: جاء في (تاريخ بغداد ج 7 ص 220) [اسم المؤلف:  أحمد بن علي أبو بكر الخطيب البغدادي، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت] “سمعت أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله يقول: إن الله يتجلى لأهل الجنة في مقدار كل يوم على كثيب كافور أبيض، [أي على شجر من العنب قبل أن ينور]” (2) هذه عن إمكانية تجلي الرب في أشياء مادية.

(6) المضيفة: جميل، وهل يوجد في كتب المسلمين إمكانية تجلي الرب في صورة إنسان؟
أبونا: نعم يوجد في كتب المسلمين إمكانية تجلي الرب في صورة إنسان (1) جاء في (سورة القلم 42) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (2) جاء تفسير هذه الآية في (صحيح مسلم ج 1 ص 168 و169) [اسم المؤلف:  مسلم بن الحجاج النيسابوري الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت] “إ‏ن أناسا في زمن رسول الله ‏قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله: نعم .. [واستطرد قائلا]: سوف يقول الله للناس: أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا ..‏ ‏فيقول الله لهم: هل بينكم وبينه ‏آية ‏فتعرفونه بها؟ فيقولون نعم، فيكشف الله عن ساق .. ‏ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعم أنت ربنا” (3) وهناك رواية أخرى عن تجلي الرب في صورة شاب: جاء في كتاب (كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج 1 ص 126) [اسم المؤلف:  علاء الدين المتقي الهندي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت 1998م، الطبعة الأولى] “قال النبي رأيت ربي في صورة شاب له وفرة (الوفرة: أي الشعر المجتمع على الرأس، أو ما سال على الأذنين منه، أو ما جاوز شحمة الأذن). [وأضاف]: “أنه حديث صحيح” (4) وجاء في كتاب (الأسماء والصفات ج 2 ص 474) [المؤلف: أحمد بن الحسين البيهقي] “عن ابن عباس: قال رسول الله: “رأيت ربي جعدا، أمرد عليه حلة خضراء. وعن الأسود بن عامر قال: “في صورة شاب أمرد جعد” [أي شعره قصير ملتوي]

(7) المضيفة: وهل جاء شيء في تلك المراجع عن تجسد الرب في المسيح؟
أبونا: (1) جاء في كتاب (الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية ج 2 ص 373) [اسم المؤلف: محيي الدين بن محمد الطائي الخاتمي، الناشر: دار إحياء التراث العربي لبنان 1998م، الطبعة الأولى] “أنظر في تكوين عيسى عليه السلام .. كيف جمع بين كونه روحا يحيى الموتى وبين كونه بشراً” (2) وفي (كتاب الملل والأهواء والنحل جزء 2 ص 25 [اسم المؤلف: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الناشر: دار المعرفة بيروت] يقول: جاء في قول أهل النصيرية والاسحاقية: “إن الرب تعالى قد ظهر بصورة أشخاص”. (3) وفي (كتاب هامش الإمام القرشي على تفسير الإمام البيضاوي [على تفسير سورة المائدة 17]  جزء 2 ص 308) قال الإمام أبو الفضل القرشي [المشهور بالكازرونى]: “في قولهم أن في المسيح لاهوتاً يمكن أن يكون المراد أن اللاهوت ظهر فيه ظهوراً تاماً، وهذا لا يستلزم الكفر، وأن لا إله إلا واحد” (4) وجاء في (جريدة الأهرام 1/1/ 1997م) يقول أحمد عبد المعطى حجازى [وهو شاعر وناقد مصري حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة، عام 1997م): “نحن نعرف أن المسيحيين موحدون، لا يفصلون في المسيح بين طبيعته البشرية وطبيعته الإلهية، بل يعتقدون أنه طبيعة واحدة تجمع بين الكلمة والجسد، أو بين الرب والإنسان”

(8) المضيفة: لقد وضحت هذه النقطة تماما، ونأتي إلى الآية الثانية (سورة التوبة 30) “وقالت النصارى المسيح ابن الله” ما شرحك للباحث عن الحق في ذلك؟
أبونا: (1) إن القرآن بهذا يقصد بدعة المريميين التي كانت منتشرة في الجزيرة العربية كهرطقة نصرانية (2) ولم يقصد الإيمان المسيحي الصحيح الذي لم يكن يعرفه (3) والمريميون هم الذين اعتقدوا في زواج الرب من مريم وأنجب المسيح بمعنى التزاوج البشري (4) وقد سبق الإشارة إلى ذلك (انظر كتاب “الله ذاته ونوع وحدانيته” لمؤلفه عوض سمعان صفحة 127) وكتاب “القول الأبريزي” للعلامة أحمد المقريزي ص 26) و(تاريخ الكنيسة القبطية للقس منسى يوحنا ص 212).

(9) المضيفة: إذن ما هو الإيمان المسيحي بخصوص تعبير المسيح ابن الرب؟
أبونا: (1) نحن لا نقصد بعبارة “المسيح ابن الرب” أن المسيح جاء عن طريق تزاوج جسدي.
(2) فالمسيحية لا تعني بكلمة “ابن” العلاقة الجسدية أو الولادة التناسلية (2) فهناك استخدامات كثيرة لهذا التعبير لا يقصد بها الولادة الجسدية مثل: 1ـ ابن السبيل كما جاء في (سورة البقرة 177) 2ـ ابن البادية 3ـ ابن النيل 4ـ وولادة النور من النار… (3) فمن مدلولات تعبير “المسيح ابن الرب”: 1ـ أن المسيح جاء من عند الرب. كما قال في (يو16: 28) “خرجت من عند الآب وقد اتيت الى العالم” (4) والواقع أنه من أفضل التفاسير العلمية لهذا التعبير ما كتبه زمرة من الأساتذة المسلمين في كتاب (المعنى الصحيح لإنجيل المسيح ص 63ـ 67) [هم الدكاترة والأساتذة: الهادي جطلاوي عميد كلية الآداب بتونس، وعلي المخلبي، وضحى الخطيب، وعفاف موفو. والناشر هو: دار الفارابي، بيروت، لبنان. الطبعة الثالثة 2010م)

(10) المضيفة: هل يمكن أن تعرض لنا أهم النقاط التي قالوها عن مفهوم “المسيح بن الرب”؟
أبونا: (1) هذا هو عنوان الفصل الذي إختاروه وهو: (معنى عبارة “ابن الرب”) (2) وعرضوا بدراسة موسعة المعاني التي يمكن أن تفهم من هذا المعنى (3) ثم وضحوا المفهوم المسيحي من هذا التعبير

(11) المضيفة: شوقتنا إلى ما كتبه هؤلاء العلماء، فماذا قالوا؟
أبونا: جاء في (ص 63) قولهم (1): “النص الإنجيلي الذي نتناوله في هذا الكتاب بالدراسة يستخدم كثيرا عبارة “ابن الرب”، [ويضيفون]: وهو ما أثار الكثير من التساؤلات، وكان سببا في سوء التفاهم المؤسف بين الأخوة المسيحيين والمسلمين، لذلك أصبح مهما العمل على توضيح ما تعنيه وما لا تعنيه هذه العبارة في الإنجيل الشريف” (2) [وواصلوا حديثهم قائلين]: “الله تبارك وتعالى لم يتخذ صاحبة، ولم ينجب أولادا من صاحبة، سبحانه وتعالى عن ذلك (3) [ويقولون]: “هذه الفكرة مرفوضة تماما عند المسيحيين والمسلمين على السواء” (4) [وأضافوا]: “وبهذا المعنى يتفق الإنجيل الشريف على أن الرب لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد”.

(12) المضيفة: هذا فهم سليم للإيمان المسيحي، وماذا قالوا أيضا؟
أبونا: كتبوا كلاما أجمل وأوضح يقولون في (ص 65): “الإنجيل الشريف لا يستخدم عبارة “ابن الرب” بالمعنى الجسدي، بل نرى هنالك تتضمن ثلاث دلالات رمزية على الأقل هي: (1) أولا: جميع الناس بمعنى ما، هم أبناء الرب، نقرأ في سيرة الحواريين (أع 17: 28و29) “إنما نحن عيال الرب [أي ذريته]” [ويواصلون]: لكننا نعرف أن هذا لا يعني أننا أبناء الرب بالمعنى الحرفي للكلمة، أي أبناؤه كما لو أنه أنجبنا. معاذ الله! فالعبارة تعني بشكل رمزي أن الرب يحبنا مثلما يحب الأب الودود أبناءه”

(13) المضيفة: وما تعليقك على هذا القول أننا أولاد الرب؟
أبونا: (1) تعليقي: أقول ليس فقط الإنجيل هو الذي يقول ذلك بل جاء في كتاب (قضاء الحوائج ج 1 ص 35) [اسم المؤلف:  أبو بكر عبد الله القرشي الناشر: مكتبة القرآن القاهرة] “عن أنس بن مالك قال رسول الله: “الخلق كلهم عيال الرب” (2) [نعود إلى الكتاب في الدلالة الثانية]:  ثانيا: هناك معنى خاص لعبارة “ابن الرب” نجده في إعلان الإنجيل الشريف “أن كل الذين يؤمنون بالسيد المسيح يصبحون أبناء الرب”  (3) [وأضافوا]: ولم تكن هذه البنوة ذات طبيعة بشرية، ولكن الرب هو من أسبغ عليهم تلك الصفة فجعلهم عياله (يوحنا 1: 12و13).

(14) المضيفة: كلام سليم. قلت لنا إلى الآن دلالتين، فما هي الدلالة الأخرى؟
أبونا: (1) [يقولون في الدلالة الثالثة]: ” ثالثا: يستخدم الإنجيل الشريف عبارة “ابن الرب” بشكل خاص 1ـ للإشارة إلى الملك العظيم الذي كان بنو إسرائيل ينتظرون قدومه حسب نبوات التوراة الشريفة 2ـ [ويستطردون في (ص 66)]: يقول الرب: “أنا أكون له أبا وهو يكون لي إبنا” (أخبار الأيام الأول 17: 13) [ويضيفون]: “حين نتأمل كلمات هذه الآية أكثر نجد أن الحديث عن الإبن الذي سيثبت الرب مملكته إلى الأبد. 3ـ [ثم يقولون]: “بسبب هذه النبوة صار بنو إسرائيل كلما اشتدت عليهم وطأة الجور والاضطهاد ينتظرون أن يبعث الرب بينهم ملكا بارا يحكم فيهم إلى الأبد، تماما مثلما ينتظر المسلمون الشيعة اليوم قدوم الإمام المهدي. 5ـ [ويضيف] وقد كان بنو إسرائيل يطلقون على هذا الملك المنتظر اسم “المسيح” وكانوا يسمونه أيضا “ابن الرب” لأن الرب قال لداود “أنا أكون له أبا وهو يكون لي إبنا” 6ـ [ويعلقون على هذه الحقيقة فيقولون]: “يبدو واضحا من هذه الآية أن كلمتي “ابن” و”أب” لا تتضمنان أي معنى من معاني البنوة الجسدية تجاه الرب.

(15) المضيفة: هذا كلام أكثر من رائع، فما هي النتيجة التي خلص إليها مؤلفو هذا الكتاب؟
أبونا: (1) خلصوا إلى نتيجة هامة توضح فعلا حقيقة المسيح فقد قالوا في (ص67) “بناء على ذلك يمكن القول أنه إذا كان يحق لكل نبي أن يقول: “من سمعني فقد سمع الرب” فإن الإنجيل الشريف يؤكد أن كلام الرب قد أصبح مجسدا قابلا للرؤية بالنسبة لبني البشر، وذلك في شخص السيد المسيح الذي قال: “حقا من رآني رأى تجلي الرب في البشر” (يو 14: 9) .

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات