الباب الخامس: الكذب في الإسلام

ملحوظة : إذا أردت التأكد بنفسك اضغط على اسم الكتاب أو الحديث وسينقلك إلى مصدر إسلامي معتمد لهذا التفسير أو الكتاب .

مفاتيح الألوان :

الأخضر : آيات قرآنية .

الأحمر : آيات من الكتاب المقدس .

الأزرق : مصادر إسلامية أخرى .

البرتقالي : روابط تستطيع الضغط عليها للوصول إلى المصدر الأصلي .

 

سؤال جرئ 186 الكذب في الإسلام :

 

1)الكذب :
ما هو؟
الكذب : هو خلاف الصدق ، وهو قول الشيء على غير الحقيقة (الاعتماد بما لا يطابق الواقع)
الحالات التي يجوز فيها الكذب :-
الكذب حرام في الإسلام ، ولكن يجوز الكذب في ثلاث حالات وهي :
(1)-الإصلاح بين الناس
(2)-حالة الحرب
(3)-حديث الزوج لزوجته أو العكس
نذكر هنا ما جاء في صحيح البخاري» كتاب الصلح » باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس:
2546 حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا
شرح ابن حجر العسقلاني :
قوله : ( باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس ) ترجم بلفظ ” الكاذب ” وساق الحديث بلفظ ” الكذاب ” واللفظ الذي ترجم به لفظ معمر عن ابن شهاب وهو عند مسلم ، وكان حق السياق أن يقول : ليس من يصلح بين الناس كاذبا ، لكنه ورد على طريق القلب وهو سائغ .
… وما زاده مسلم والنسائي من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه في آخره ” ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث ” فذكرها ، وهي الحرب وحديث الرجل لامرأته والإصلاح بين الناس ، وأورد النسائي أيضا هـذه الزيادة من طريق الزبيدي عن ابن شهاب ، وهذه الزيادة مدرجة ، بين ذلك مسلم في روايته من طريق يونس عن الزهري فذكر الحديث قال : وقال الزهري . وكذا أخرجها مفردة من رواية يونس وقال : يونس أثبت في الزهري من غيره ، وجزم موسى بن هارون وغيره بإدراجها ، [ ص: 354 ] ورويناه في ” فوائد ابن أبي ميسرة ” … وقالوا : الكذب المذموم إنما هـو فيما فيه مضرة ، أو ما ليس فيه مصلحة . … واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هـو فيما لا يسقط حقا عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها ، وكذا في الحرب في غير التأمين . واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار ، كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختف عنده فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم . والله أعلم .
شرح وتعليق :
فمن خلال هذا الحديث يتضح أنه يجوز الكذب في حالة الصلح بين الناس ، فقد يحاول شخص أن يصلح بين اثنين متخاصمين ، فيذهب إلى أحدهما ويقول له أن فلان يذكرك بالخير ويتمنى أن يعفو عنك ويحبك وهو طبعًا لم يحصل ويذهب إلى الشخص الآخر ، ويقول له نفس الكلام  فيحاول أن يقتدر بينهما أي يقر بالقلوب فيما بينهما ، إذن يجوز الكذب في مثل هذه الحالة أي حالة الإصلاح بين الناس
وفي الكذب والغدر انظر صحيح البخاري باب قتل كعب بن الأشرف
ونذهب إلي صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم الكذب وبيان المباح منه:
2605 أن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت الرسول (ص) يقول : { ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرًا أو ينوي خيرًا قال بن شهاب :لم أسمع يُرخص في شيء إلا في ثلاث : الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها }

شرح النووي
قوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرا أو ينوي خيرا ) هذا الحديث مبين لما ذكرناه في الباب قبله ، ومعناه ليس الكذاب المذموم الذي يصلح بين الناس ، بل هذا محسن .
قوله : ( قال ابن شهاب : ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث : الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها ) قال القاضي : لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصور ، واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ما هو ؟ فقالت طائفة : هو على إطلاقه ، وأجازوا قول ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة ، وقالوا : الكذب المذموم ما فيه مضرة ، واحتجوا بقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم : بل فعله كبيرهم و إني سقيم وقوله : إنها أختي وقول منادي يوسف صلى الله عليه وسلم : أيتها العير إنكم لسارقون قالوا : ولا خلاف أنه لو قصد ظالم قتل رجل هو عنده مختف وجب عليه الكذب في أنه لا يعلم أين هو ، وقال آخرون منهم الطبري : لا يجوز الكذب في شيء أصلا . قالوا : وما جاء من الإباحة في هذا المراد به التورية ، واستعمال المعاريض ، لا صريح الكذب ، مثل أن يعد زوجته أن يحسن إليها ويكسوها كذا ، وينوي إن قدر الله ذلك . وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة ، يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه . وإذا سعى في الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاما جميلا ، ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك وورى وكذا في الحرب بأن يقول لعدوه : مات إمامكم الأعظم ، وينوي إمامهم في الأزمان الماضية : أو غدا يأتينا مدد أي طعام ونحوه . هذا من المعاريض المباحة ، فكل هذا جائز . وتأولوا قصة إبراهيم ويوسف وما جاء من هذا على المعاريض . والله أعلم .
شرح وتعليق :
ويجوز الكذب في حالة الحرب ، لأن الحرب خدعة يحاول أن يلبث عليه لكي لا يغير على المسلمين وينتصر عليهم
وأيضًا يجوز الكذب في حديث الزوج لزوجته كأن يقول لها أني أحبك موت وهو في الحقيقة لا يحبها ويريد في ضميره (في حقيقة الأمر) أن تموت أي لا يريد أن يراها ويريدها أن تموت اليوم قبل الغد حتى لو حلف بقوله والله بأموت فيك
وأما كذبه لزوجته وكذبها له فالمراد به في إظهار الود والوعد بما لا يلزم ، نرى في هذا الحديث وتفسيره كل اعوجاج موجود في الإسلام من إجازة الكذب على حسب السبب أو إعطاء الكذب أسماء أخرى مثل التورية والمعاريض وهي في النهاية كذب كذب بين وهذه يشرح فلسفة الإسلام في أن الغاية تبرر الوسيلة وفي قتل الفطرة الطبيعية التي وضعها الله في قلب الإنسان .
لما افتتح رسول الله خبير ، قال الحجاج بن علاط يا رسول الله أن لي بمكة مالًا وأن لي بها أهلًا إني أريد أن أتيهم فأنا في حل إن أنا ملت منك أو قلت شيئًا فأذن له رسول الله أن يقول ما شاء ، قال فأتي امرأته حين قدم ، فقال اجمعي لي ما كان عندك ، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه ، فإنهم استبيحوا وأصيبت أموالهم
(المصدر مُسند أحمد السنن الكبرى للبيهقي)
وهذا عند السُنة
وعند الشيعة أيضًا يجوز الكذب في ثلاث حالات المكيدة في الحرب ، وفي وعد الزوج لزوجته ، وفي الإصلاح بين الناس

2)التورية(المعاريض) :
المعاريض هي الكلام الذي توهم السامع من خلاله شيء وأنت تقصد شيء آخر

نعرض حديث صحيح يؤكد حق المسلم في استخدام المعاريض :
– صحبت عمران بن حصين من الكوفة إلى البصرة فما أتى علينا يوم إلا أنشدنا فيه شعرا وقال إن في المعاريض مندوحة عن الكذب .
الراوي: مطرف بن عبدالله بن الشخير المحدث: ابن جرير الطبري – المصدر: مسند عمر – الصفحة أو الرقم: 2/638
خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

معني مندوحة هي القدرة على التهرب مما يغني عن الكذب .

حديث آخر لصحيح البخاري يؤكد ويوضح معنى المعاريض : 

صحيح البخاري » كتاب الأدب » باب المعاريض مندوحة عن الكذب:

باب المعاريض مندوحة عن الكذب وقال إسحاق سمعت أنسا مات ابن لأبي طلحة فقال كيف الغلام قالت أم سليم هدأ نفسه وأرجو أن يكون قد استراح وظن أنها صادقة

5856 حدثنا آدم حدثنا شعبة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال كان النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له فحدا الحادي فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارفق يا أنجشة ويحك بالقوارير

الشرح :
قوله : ( مندوحة ) بوزن مفعولة بنون ومهملة أي فسحة ومتسع ، ندحت الشيء وسعته وانتدح فلان بكذا اتسع وانتدحت الغنم في مرابضها إذا اتسعت من البطنة ، والمعنى أن في المعاريض ما يغني عن الكذب . ، عن عمر قال : أما في المعاريض ما يكفي المسلم من الكذب ؟ قال الجوهري : هو خلاف التصريح ، وهو التورية بالشيء عن الشيء . وقال الراغب : التعريض كلام له وجهان في صدق وكذب ، أو باطن وظاهر . قلت : والأولى أن يقال : كلام له وجهان يطلق أحدهما والمراد لازمه . ومما يكثر السؤال عنه الفرق بين التعريض والكناية وللشيخ تقي الدين السبكي جزء جمعه في ذلك .
قول أم سليم ” هدأ نفسه ; وأرجو أن قد استراح ” فإن أبا طلحة فهم من ذلك أن الصبي المريض تعافى ; لأن قولها ” هدأ ” والعليل إذا نام أشعر بزوال مرضه أو خفته ، وأرادت هي أنه انقطع بالكلية بالموت ، وذلك قولها ” وأرجو أنه استراح ” فهم منه أنه استراح من المرض بالعافية ، ومرادها أنه استراح من نكد الدنيا وألم المرض ، فهي صادقة باعتبار مرادها ، وخبرها بذلك غير مطابق للأمر الذي فهمه أبو طلحة ، فمن ثم قال الراوي ” وظن أنها صادقة ” أي باعتبار ما فهم هو .

تعليق :
والمعنى أن في المعاريض ما يغني عن الكذب ، أو ما يكفي المسلم من الكذب وهو التورية بالشيء عن الشي وهو كلام له وجهان في صدق وكذب ، أو باطن وظاهر في حديث البخاري وشرحه لابن حجر عندما سأل أبا طلحة أم سليم عن الصبي المريض قالت ” هدأ نفسه ” وإن أبا طلحة فهم من ذلك أن الصبي المريض تعافى ولكن مرادها أنه استراح من نكد الدنيا وألم المرض ، فهي صادقة باعتبار مرادها مع أن هذا غير مطابق للأمر الذي فهمه أبو طلحة كيف لا يكون هذا كذب ؟ فهي قصدت أن تخدعه وتفهمه أن الطفل تعافي مع أن الطفل مات ؟ وكيف تستقيم الحياة مع وجود المعاريض والتورية ؟ وأين المبادئ في هذه الحالة ؟ ونعرض لكم ما ذكر في الكتاب المقدس عن الكذب لِذلِكَ اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ، وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ، لأَنَّنَا بَعْضَنَا أَعْضَاءُ الْبَعْضِ. . أفسس 4 : 25 .

نعرض مقطع فيديو للشيخ أبو إسحاق الحويني يحكي فيه عن سرعة بديهة الإمام أحمد في حديث ابن القيم عن المعاريض عندما اختباء رجل يدعى المنروزي في منزل الإمام أحمد ابن حنبل وأتى الرجل إلى منزل الإمام أحمد يطلب المنزوي لأن له دين عنده فبسط الإمام أحمد يديه وقال : {المنروزي هنا ؟ وماذا يفعل المنروزي هنا ؟} وكان يعني أن المنروزي ليس في راحة يده وأضاف الشيخ أبو إسحق أن المعاريض ممدوحة عن الكذب

 

فمثلًا يقول شخص ما لزوجته ، إذا سألك أي أحد عني فقولي له اطلبوه في المسجد ، ثم يأتي الشخص ليسأل عن زوجها ، فتقول له اطلبوه في المسجد ، (على الرغم أنه موجود في البيت) وهنا تقصد الزوجة أن زوجها موجود في المسجد ، أليس هذا كذبا”

مثال آخر أن شخص يقول لابنته إذا اتصل أي شخص بي فقولي له أنني غير موجود أمامك (وهو يكون موجود في الحجرة) ثم يتصل هذا الشخص يريد والدها فترد ابنته وتقول له إن أبي غير موجود أمامي  أليس هذا كذبا”
وهنا نعرض لكم مقطع فيديو على موقع ال(youtube) للشيخ حسان وغيره من الشيوخ يفسرون معنى المعاريض بالأمثلة التي ذكرناها 

نعرض مقطع لشيخ يقول أن الشيخ حسان حلف أنه لم يأخذ ولا جنيه وعندما واجهوه أنه أخذ عشرة آلاف دولار قال أنا حلفت على الجنيه وليس على الدولار . كيف يستقيم أي مجتمع بكل هذا الغش والعوج والكذب والتورية  ؟ كيف تستطيع أن تعقد صفقة مع شخص متلون وبمائة كلمة ؟

3)الكذب في الكتاب المقدس
في سفر اللاويين نجد تحريم الكذب بصورة مطلقة ولا يوجد أي استثناءات فنقرأ :
{ «لاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَكْذِبُوا، وَلاَ تَغْدُرُوا أَحَدُكُمْ بِصَاحِبِهِ.،  وَلاَ تَحْلِفُوا بِاسْمِي لِلْكَذِبِ، فَتُدَنِّسَ اسْمَ إِلهِكَ. أَنَا الرَّبُّ.} لاويين 19 : 11 ، 12
وأيضًا في المسيحية نجد أن لا كذب إطلاقًا ولا يوجد أي استثناءات فنقرأ :
في كولسي 3 : 9 { لاَ تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} وأيضًا”
في رسالة بولس الرسول إلي أهل أفسس 4 : 25 {ا لِذلِكَ اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ، وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ، لأَنَّنَا بَعْضَنَا أَعْضَاءُ الْبَعْضِ.  }
وأيضًا نجد في يوحنا 8 : 44 أن الكذاب هو إبليس فنقرأ :
{أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ.   }
فيستنتج مما سبق أنه لا يوجد كذب في المسيحية إطلاقًا ومصير الكذابين البحيرة المتقدة بنار والكبريت وهذا ما ورد في سفر الرؤيا 21 : 8 وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي».))
الأخ رشيد والأخ وحيد سؤال جرئ للمزيد حول الكذب في الإسلام انظر الفصل الثامن (البخاري 1 ) و)الأخطاء حول سلوك محمد ..>21)الرسول يسمح بالكذب في ثلاث حالات .

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات