٥ – مبادرات المسيح الحُبية

لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل إبنه الوحيد..
لكي لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الابدية “
(يوحنا 3 : 16)

نواصل اليوم أحاديثنا حول موضوع المسيحى الحقيقى ، وعرفنا أنه ليس كل مسيحى هو مسيحى حقيقى ، بل هناك أنواع من المسيحيين ، ثم تعرفنا على الهدف الذى لأجله خلقنا الرب ، وهو أن نكون له أبناء ، فقلبه مملوء بالحب والحنان علينا.. ثم تقدمنا لنتعرف على موقف الإنسان من محبة الرب ، فهو لم يبادل الرب الحب ، بل اعتـزل عن الرب وإنفصل عنه ، وفضّل الحياة بحسب هواه ومزاجـه ، وكانت النتيجة أنه إنفصل عن الرب ، فإنفصل عن الحياة ، فأصـبح فى حكم الموت : موت جسدى وموت أدبى ، موت أبدى…
واليوم ، نتعرف على موقف الرب تجاه ما وصلت إليه البشرية الخاطئة.. ، فهل وقف الرب مكتوف الأيدى أمام الخليقة التى أحبها والتى وضعت نفسها تحت حكم الموت ؟
كلا ، فالرب فى محبته لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا ، فهو الداعى الكل إلى الخلاص لأجل الموعد بالخيرات المنتظرة… لذا فلقد قام بمبادرات حُبية ، كما يلى :

المبادرة الأولى : صليب الفــداء.
المبادرة الثانية : مصالحة الأعداء.
المبادرة الثالثة: قرعات اللقــاء.

 
المبادرة الأولى : صليب الفــداء
يقول الكتاب : “ لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحـيد لكي لا يهلك كل من يؤمـن به بل تكون له الحياة الأبديـة..” (يوحنا 3 : 16) ، أحب فأخذ مبادرة أن يبذل إبنه الوحيد والحبيب على عود الصليب حتى لا يهلك كل من يؤمن به… هذا هو الفداء.. مات المسيح فداءً عنا ليأخذ حكم الموت حتى يطلقنا فى حرية وسعادة.. هذا هو الحب العجيب الذى قال عنه معلمنا بولس الرسول : ” ولكن الله بَيَّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا.. ” (رومية 5 : 8)..
والفداء هو أن يأخذ شخص برئ مكان شخص محكوم عليه بالموت ، فيموت بدلاً منه ، ويُنقَذ الأول ، فيتم الفداء…
وهو نفس الذى تسبح به الكنيسة متهللة فى التسبحة المقدسة وتقول :
[ أخذ الذى لنا وأعطانا الذى له.. فلنباركه ونرفع إسمه.. ]

** قصة :
شب حريق عظيم فى مبنى شاهق ، وإمتدت النيران إلى السلالم وحاصرت أسرة مكونة من أب وثلاثة أولاد.. وحاولت الأسرة الهروب من النيران دون جدوى ، ولم يجد الأب مفراً من أن يمدد جسده من هذا المبنى إلى المبنى المجاور ككوبرى ليعبر عليه الأولاد.. وبعدما عبروا واحداً تلو الآخر.. خارت قوى الأب فسقط صريعاً.. مات الأب ليحيا الأبناء…

هذا هو الفداء الذى تعلمنا إياه كنيستنا القبطية فى القسمة المقدسة ، إذ يقول الأب الكاهن :
[ صعد إلى الصليب عرياناً ليكسونا بثوب بره  وفُتِحَ جنبه بالحربة لكى ندخل إليه ونسكن فى عرش نعمته ، ولكى يسيل الدم من جسده لنغتسل من خطايانا ، وأخيراً مات ودُفِنَ فى القبر ليقيمنا من موت الخطية ، ويُحيينا حياة أبدية.. ]

هذه هى المبادرة العظمى التى قدمها رب المجد على عود الصليب.. صليب الفداء.. الفداء بالدماء.. ليهب حياة للأموات بالذنوب والخطايا ، ليعودوا من جديد إلى العشرة والشـركة مع الرب ، بعد أن فقدوا هذه الحياة بالخطية والإنفصال عنه…

المبادرة الثانية : مصالحة الأعداء
يقول معلمنا بولس الرسول : ” أي أن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم وواضعاً فينا كلمة المصالحة.. ” (كورنثوس الثانية 5 : 19)
من هم هؤلاء الأعداء الذين صالحهم الرب.. ؟ يقول الكتاب : ” وأنتم الذين كنتم قبلاً أجنبيين وأعداء في الفكر في الأعمال الشريرة قد صالحكم الآن ، في جسم بشريته بالموت.. ” (كولوسى 1 : 21 ، 22) ، لقد كانـت الخطية عداءً حقيقياً لله المحب ، فبسبب الخطية صار الإنسان عدواً لله… لكن المسيح ، كما يقول القديس أغريغوريوس فى قداسه الإلهى : [ صرت لنا وسيطاً لدى الآب ، والحاجز المتوسط نقضته ، والعداوة القديمة هدمتها… وصالحت الأرضيين مع السمائيين وجعلت الإثنين واحداً.. ]

يا لروعة عمل نعمة المسيح فى مصالحته لنا نحن الأعداء بسبب الخطية.. الأمر الذى تمناه أيوب فى عهد ما قبل مجئ المسيح لفدائنا ، إذ قـال : ” ليس من مصالح يضع يديه على كلينا.. ” (أيوب 9 : 33) ، وظلت هذه هى مشكلة البشرية إلى ان جاء المسيح وصالحنا مع الأب وأزال العداوة بدم نفسه.. لذا فأول شئ نبدأ به القداس الإلهى هو صلاة الصلح..

بل أروع من ذلك أننا نحن الأعداء لم نحاول ولا يمكن أن نحاول أن نعيد العلاقة والصلح مع الرب ، بل هو بذاته جاء مبادراً ليصالحنا مع الآب…

** قصة :
إرتكب أحد الأبناء الأشرار جرماً شديداً فى حق أبيه ، مما إضطر الأب أن يطرده من البيت بلا عودة.. وبعد فترة من الزمان ، مرضت الأم مرض الموت ، وبينما هى فى الساعات الأخيرة توسلت إلى الأب أن يغفر لإبنه فعلته الشنعاء ، ويسمح لها أن تراه مرة أخيرة قبل أن تموت.. وفعلاً أمام توسلات الأم سمح الأب لإبنه أن يعود ، ووقف الأب على يمين الأم الملقاة على فراشها ، ووقف الإبن على يسارها ، فأخذت الأم يد الأب ووضعـتها فى يد الإبن ، وضمتهم إلى صدرها ، وأسلمت الروح…

أليس هذا هو ما عمله المسيح على الصليب ، إذ أخذ بيد الآب من السماء وصالحه معنا نحن الخطاة ، وقال قد أُكمل ، ونكس الرأس وأسلم الروح…

أخى الحبيب ، هل تاتى معى اليوم لنقبل مبادرة الصلح هذه ، وننهى أيام العداوة مع الرب بسبب الخطية ، والرب اليوم مستعد لأن يقبل ويصالح من يأتى إليه..

لذا يقول قداسة البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث :
[ مصالحة الرب مع البشر هى سبب التجسد الإلهى ، وهى هدف الفداء أيضاً ، ولقد كان دم السيد المسيح هو ثمن هذا الصلح.. فانظر ما أغلى ثمن مصالحـتك ، وما أغلـى نفسك عند الرب… ]

المبادرة الثالثة: قرعات اللقــاء
لاحظ معى أيها الحبيب ، أن المبادرتين السابقتين قد مر عليهما حوالى 2000 سنة ، لكن مفعولهما لا يزال سارياً إلى الآن…
أما هذه المبادرة الثالثة ، فهى مبادرة شخصية لكل واحد منا ، مهما كانت لغته أو معتقداته ، لذا فهو يقول : “ هنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي.. “ (رؤيا 3 : 20)
لقد ذهب كعريس سماوى إلى عروس النشيد التى تمثل النفس البشرية، وقال لها : ” افتحي لي يا أختي يا حبيبتي يا حمامتي يا كاملتي لأن رأسي إمتلأ من الطـل وقصصي من ندى الليل.. “ (نشيد الأناشيد 5 : 2)

لكن النفس البشرية المنغمسة فى اللذات والشهوات ، ترفض أن تفتح للعريس الغالى ، كما تقول الترنيمة :
على القلوب بتقـــرع وطوبـى للى يسمع
ويتوب توبــة من قلبه توبة من غير رجوع
فالرب المُحب يقرع من خلال ، إما قداسات ، أو عظات ، أو لقاءات مع أباء الكنيسة ، أو خدام ، أو ظروف ، أو حوداث… لكن هل نسمع قرعات الحب هذه ؟ ونفتح له قلوبنا ليدخل ويملك عليها… فهو يبدأ بالقرعات الخفيفة من وعظ وترنيم وآيات الكتاب.. إلخ وإذا قابل الإنسان هذه القرعات باللامبالاة وقساوة القلب ، فيأتى الرب بقرعاته العنيفة ، ثم المخيفة… وهدفه أن نفتح له القلب ليدخل ويضئ بنوره ظلمة خطايانا… فهو يريد أن جميع الناس يخلصون ، وإلى معرفة الحق يقبلون…

** قصة :
فى ليلة عيد الميلاد ، أراد الملك أن يختبر مدى محبة شعبه للفقراء ، فتنكر فى ثياب الفقراء ، وقرع البيوت بيتاً بيتاً فى محاولة منه للدخول كشحاذ ، لكن الجميع رفضوا قبوله فى هذه الليلة البهجية.. إلى أن وصل إلى عشة أرملة فقيرة على سطح إحدى المنازل ، فقبلته بترحاب فى عشتها البسيطة ، وقدمت له طعاماً بسيطاً ونام فى عشتها هذه إلى الصباح ، ثم قدمت له الإفطار ، فأكل ثم شكرها ، ومضى…
وبعد ساعة واحدة أرسل الملك فى طلب هذه الأرملة الفقيرة، وسألها عن شخص فقير جاء إليها وقبلته فى الليلة الماضية ، فأقرت بأنها قبلت هذا الفقير المسكين.. قال لها الملك : يا أمى أنا هو الفقير الذى أتى إليك الليلة ، وكما قبلتينى فى عشتك الفقيرة، اسمحى لى أن اقبلك فى قصرى ولن تعودى إلى فقرك بل ستتمتعين بغنى محبتى…
ونحن إذ نقبل المسيح الذى يقرع على قلوبنا سنحظى بقبوله لنا فى ملكوته…
طلبتى إلى الرب ان يمتعنا ببركة قبول هذه المبادرات الثلاثة فنفتح له الحياة ونقول : هلم تفضل وحل فينا.. له المجد فى كنيسته إلى الأبد.. آمين…

** ترنيمة :
1) مات على الصليب وفدانى يســــوع الحبيب
حبه ما شفتش زيه تانـى يســــوع الحبيب

قرار : بيسوع يا هـــنايا يا يسـوع يا عزايـا
أنت عزى وأملى ونورى ينبوع فرحى وسرورى
يا هنــايا بيســـوع يا عزايا بيســـوع

2) هـــو اللى دور علىَّ لمــا كنت بعيــد
هو اللى كان عينـه علىَّ لمــا كنت بعيــد

3) دفع فىَّ الـــدم الغالى وأنا كان ثمنى رخيص
وبقيت على قلبــه غالى وأنا كان ثمنى رخيص

4) حررنى من العبــودية بعد ما كنت أســير
طهر قلبى من الخطـية بعد ما كنت أســير

5) قاللى أنا رايح وراجع تانى وجاى عـلى السحاب
وعده أمين جهز لى مكانى وجاى عـلى السحاب

درس كتاب :
1) ما هى مبادرات المسيح الحُبية الثلاثة للإنسان ؟
الإجابة :
1) —————————————–
2) —————————————–
3) —————————————–

2) ما معنى ما جاء بالآية : “ أى ان الله كان فى المسيح مصالحاً العالم لنفسه ” (كورنثوس الثانية 5 : 19) ؟

الإجابة : —————————————————————————————————————————————————————-

3) ما العلاقة بين الحـب والبذل حسبما جاء فى (يوحنا 3 : 16) لأنه هكذا أحب الله العالم ، حتى بذل أبنه الوحيد... ” ؟

الإجابة : —————————————————————————————————————————————————————-
4) ما هو موقفك أنت الشخصى من مبادرات المسيح هذه… ؟

الإجابة : —————————————————————————————————————————————————————

ملخص موضوع
مبادرات المسيح الحُبية

المبادرة الأولى : صليب الفداء :
الرب أحب الإنسان ، فأخذ مبادرة أن يبذل إبنه الحبيب يسوع المسيح حتى لا يهلك كل من يؤمن به (يوحنا 3 : 16)

المبادرة الثانية : مصالحة الأعداء :
جاء المسيح ليصالحنا مع الآب ، فبعد أن كنا أعداء بسبب الخطية صالحنا بدم نفسه على الصليب(كورنثوس الثانية 5 : 19)

المبادرة الثالثة : قرعات اللقاء :
واليوم يقدم المسيح مبادرة خصوصية لكل واحد منا ، إذ يقرع على القلب لنفتح ونقبله فيتعشى معنا ، ونحن معه…
(يوحنا 1 : 12)

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات