٢ – مخطط إنكار صلب السيد المسيح وموته

الفهرس

أولا: إنكار صلب السيد المسيح وموته، هو إنكار للديانة اليهودية

ثانياً: إنكار صلب السيد المسيح وموته هو إنكار لنبوات العهد القديم عنه

ثالثاً: إنكار صلب السيد المسيح وموته هو إنكار للتعاليم المسيحية

 

أولا: إنكار صلب السيد المسيح وموته، هو إنكار للديانة اليهودية:
إنكار للديانة اليهودية التي قامت على الذبائح الكفارية التي كانت تقدم بالنيابة عن الخاطئ لأن عبادة اليهود كانت عبارة عن ذبائح كفارية تقدم صباحاً ومساءً، عدا ما يقدمه في النهار جميع الذين اقتربوا أخطاء وهفوات ، تلك الذبائح التي كانت رمزاً وإشارة إلى موت المكفر الأعظم، الرب يسوع المسيح، كما يقول الرسول بولس : لأنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا لذلك عند دخوله إلى العالم يقول ذبيحة وقرباناً لم ترد ولكن هيأت لي جسداً بمحرقات وذبائح للخطية لم تسر . ثم قلت هاأنذا أجي في درج الكتاب مكتوب عني أن أفعل مشيئتك يا الله .    فهذه المشيئة نحن مقدسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة. وكل كاهن يقدم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية، وأما هذا فبعد أن قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله (عب10: 4-12)

ثانياً: إنكار صلب السيد المسيح وموته هو إنكار لنبوات العهد القديم عنه:
إن إنكار موت المسيح وصلبه إنكار أيضاً لنبوات الأنبياء الذين تنبأوا عن موت المسيح وآلامه على الصليب، وإنكار للتوراة والإنجيل اللذين يدوران حول محور الصليب الذي يحتل جميع اجزائهما، اذ لم يخل سفر فيهما من الكلام عن صلب المسيح وموته، سواء أكان عن طريق الرمز أو الإشارة أو التصريح.

ثالثاً: إنكار صلب السيد المسيح وموته هو إنكار للتعاليم المسيحية:
إنه إنكار للتعاليم المبنية على صلب السيد المسيح. لذلك فلنتناقش بالعقل.
فلنتناقش بالعقل
تعال يا من تقول بأن السيد المسيح لم يصلب. تعال لنتكلم معاً بعقل القرن  العشرين وصدر القرن الحادي والعشرين، الذي تتسع فيه الصدور للبحث والتنقيب وقرع الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان. تعال لنتناقش بدلاً من الحدة والغضب وكلمات التجريح التي تمتلئ بها الكتب المنتشرة في المكتبات وعلى الأرصفة.
تعال معي بعين مجردة إلا من الحق والسعي وراءه لنتساءل معاً قائلين: إذا كانت حقيقة صلب المسيح قد شغلت أسفار التوراة والإنجيل والرسائل واحتلت جميع أجزاء الكتاب المقدس، فكيف تكون آية القرآن القائلة ((وقتلوه)) قد عنت إنكار حقيقة الصلب ووقعه على المسيح؟! ألا يعتبر هذا القول منكم إنكاراً وتكذيباً وطعناً على كل الكتاب المقدس وعلى كل سفر من أسفاره، لأن كل الكتاب قد تكلم عن حقيقة موت المسيح، والطعن في كل الكتاب المقدس طعن في القرآن الذي قال: ((وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدي للناس)) (سورة آل عمران).فإذا كانت التوراة والإنجيل قد أنزلها الرب هدي للناس، فكيف يكون الهدي ضلالاً إذا كان ما ورد فيهما عن حقيقة صلب المسيح قولاً باطلاً مبيناً على التخيل والتهيؤات؟ والهدي يجب أن يكون واضحاً وجلياً لا يعتريه الشك يكون أساسه اليقين.

وكيف يقول القرآن:
((قل يا أهل الكتاب لستم على شيءحتى تقيموا التوراة والإنجيل… وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه))(سورة المائدة). وأنتم لا ترضون للمسيحيين أن يتمسكوا بحقيقة صلب المسيح التي حكم الإنجيل والتوراة بصحتها وشغل كل صحائفها بهذه الحقيقة؟.
وهل من المنطق أن يقول القرآن: ((وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله؟)). (سورة المائدة) ثم تطلبون منا ذلك أن نترك حكم التوراة والإنجيل بحقيقة صلب المسيح ونأخذ بآية واحدة وردت في القرآن. لم يتفق مفسرو القرآن على رأي في تفسيرها. وقامت الشبهات الكثيرةعليها؟.
فلنتصورها قضية أمام محكمة عادلة

تعالوا نعرض أمام أي محكمة ترونها آية القرآن التي تقول ((وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم.. وما قتلوه يقيناً)). كما نقدم لهم مئات الآيات الواردة في التوراة والإنجيل عن موت المسيح بوضوح وجلاء ونعتبر آية القرآن وآيات التوراة والإنجيل بهذا الخصوص بصفة شهود يشهدون أمام هذه المحاكم. فهل من العدالة أن تأخذ هذه المحاكم بشهادة آية واحدة ملتبسة وغير واضحة، قامت الشبهات عليها لدي مفسري القرآن وتترك مئات الشهود من الآيات والبراهين الواردة في التوراة والإنجيل عن موت المسيح؟! لا سيما إذا كانت آيات من القرآن تثبت وقوع الموت على المسيح كما جاء في (سورة آل عمران) قوله: ((إذ قال الله يا عيسي إني متوفيك ورافعك إلى))،وفي (سورة مريم) قوله عن لسان عيسي: ((وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً)) وفي (سورة مريم) ((السلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً)). وفي (سورة المائدة) قوله: ((وكنت شهيداً عليهم ما دمت فيهم. فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم))، وقد فسرها الإمام الفخر الرازي والجلالان بأن هذه الآية سيقولها المسيح عيسي لله يوم الحشر على الأرجح.

ومعلوم أن السيد المسيح في مجيئه الثاني لا يأتي للصلاة او الزكاة أو للشهادة أو للرقابة، بل يأتي ليدين العالم في حال مجيئه مباشرة، كما ورد ذلك في ((الجزء الثاني من حديث البخاري ص49 حديث رقم 2344)). حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا الزهري.. عن رسول الله (ص) قال لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً. إذن تكون هذه الآية والآية الأخرى القائلة وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً دليلاً على أن المسيح قد مات حال ما كان على الأرض يصلي ويزكي ويشهد ويراقب، لأنه في مجيئه الثاني لا يفعل شيئاً من هذا، بل ليدين العالم فقط. وهل يتفق مع العقل السليم أن يقصد القرآن بقوله وما قتلوه بقيناً نفي موت المسيح الذي تدور عليه التوراة والإنجيل وتمتلي صحائفها بذكر هذه الحقيقة، بينما يقول في نفس الوقت أنه جاء مصدقاً للتوراة والإنجيل كما ورد في سورة البقرة قوله ((يا بني إسرائيل… آمنوا بما أنزلت مصدقاً لما بين يديه)). وفي (سورة آل عمران) يقول :((ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم.. نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه)). وفي (سورة النساء) قوله: ((يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم. ))وفي (سورة المائدة) قوله: ((وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه))؟!.

نعم هذا لا يتفق مع العقل :
نعم لا يتفق مع العقل ولا الواقع أن يكون القرآن قد قصد نفي صلب المسيح لأن هذا:
1- يتنافى مع قصد محمد من اقامة البرهان على أن قرآنه نزل من عند الرب الآمر الذي قصد أن يقيمه بوجود التوفيق بين ما جاء في قرآنه وما ورد في التوراة والإنجيل. فلا يعقل أن يصطدم بحقيقة ملأت التوراة والإنجيل. حقيقة صلب المسيح وموته.
2- يطعن في صحة القرآن نفسه لأن القرآن يقول إنه جاء مصدقاً للتوراة والإنجيل. فإذا كانت الحقائق المنتشرة في كل التوراةوالإنجيل كلها كاذبة وباطلة، فيكون المصادق على الباطل باطلاً. وهذا مالا يقول به مسلم عاقل.
3- يجعل مهمة القرآن باطلة وبلا معني، لأن القرآن جاء مهيمناً على الإنجيل والتوراة، والهيمنة معناها الحراسة، فإذا كانت حقائق الصلب وموت المسيح حكاية باطلة وكاذبة كانت التوراة والإنجيل باطلين أيضاً، فلا معني لحراستهما والهيمنة عليهما، لأن هذا يكون بمثابة وضع حارس على بستان قطعت أشجاره وتخرب وتهدم.
ولا يمكن القول بان صلب السيد المسيح أدخلت على الكتاب وعلى المسيحيين بعد مجيئ محمد (ص) ونزول القرآن، لأن القرآن نفسه يشهد ويعترف بأن عقيدة الصلب كانت موجودة قبل مجيئه وقبل القرآن، بدليل ورود تلك الآية التي نحن بصددها ((وما قتلوه)) إذ صدرت بقوله: قالت اليهود .

والنتيجـــــــــــــــة:
والنتيجة إذن تكون هكذا: إن القرآن لم يقصد بهذه الآية أن ينفي موت المسيح نفياً باتاً وإنما قصد ما أورده بعض المفسرين المسلمين الذي يتفق مع أقوال المسيحيين وكتابهم باعتبار المسيح روح الرب وكلمته، أو كما يقول المسيحيون وكتباهم إنه ابن الرب ظهر في الجسد ومات بالجسد، وهو حي بلاهوته. وهذا ما قاله القديس بطرس الرسول: مماتاً في الجسد ولكن محيي في الروح (بط3: 18)، وقول القديس بولس الرسول: لأنه وإن كان قد صلب من ضعف لكنه حي بقوة الله (2كو13: 4).
فهوذا نبوات العهد القديم وشهادات العهد الجديد كلها تجزم بضرورة موت المسيح وتعترف بحقيقة صلبه وموته وقيامته بدون لبس أو غموض، وبني رسل المسيح عقائدهم الخلاصية على أساس موته. فإذا جاء محمد بعد ستة قرون ينادي بأن أقوال الأنبياء والرسل وعقائد المسيحيين كلها غلط وأن المسيح لم يمت فعلاً، فحينئذ تكون نبوات جميع الأنبياء باطلة وأقوالهم كاذبة ورسل المسيح خادعين ومخدوعين، وهنا يكون محمد قد نقض كل أساس ديني، إذ جعل الأنبياء غير صادقين والروح القدس الذي نطق فيهم خادعاً.
كيف نكذب نبوات الأنبياء التي أعلنت عن صلب السيد المسيح وموته ونقول أنه لم يمت؟ كيف نتهم الرب  بالرجوع في كلامه والعدول عن مقاصده التي أعلنها بواسطة أنبيائه؟ هل كان الرب  والأنبياء واهمون أم ماذا؟
قليل من التروي يريح الجميع، خاصة في موضوع يتعلق بخلاص البشرية.

العقـــل يشـــــــــــــهد:
1- إن صدور الحكم الذي أصدره بيلاطس البنطي بصلب السيد المسيح اكتشفه العلماء الفرنسيون الذين رافقوا الجيش الفرنسي في زحفه إلى إيطاليا سنة 1280م، كما أن الرسالة التي أرسلها بيلاطس إلى طيباريوس قيصر مبيناً فيها الأسباب التي دعت إلى صلب المسيح وأسماء الشهود الذين حصروا المحاكمة اكتشفها بعض العلماء الألمان سنة 1390م.
والأسباب التي جعلت اليهود يحكمون بصلبه كما هو مدون فيها:
(أ) نشر الضلالة بين الناس.
(ب) تحريضه لهم على الشعب.
(جـ) مخالفته لناموس موسي.
(د)مناداته بأنه ابن الرب وملك إسرائيل.

2- إن القبر الذي دفن فيه السيد المسيح في أورشليم مازال موجوداً إلى الآن خالياً من جسد المسيح، ويزوره كل عام الآلاف والملايين منذ القرون الأولي.

3- إن الذين نادوا بصلب المسيح وموته وقيامته ليسوا أعداء للمسيح وأرادوا التبشير به، بل هم تلاميذ المقربون العارفون بالحقيقة ومتأكدون منها .

4- إن الكلمات التي نطق بها السيد المسيح على الصليب المبارك تؤكد أنه هو صاحب الأمر والنهي، لأنه قال للص اليمين على الصليب اليوم تكون معي في الفردوس (لو23: 43). وقال اغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون (لو23: 34)، وقال أيضاً قد اكمل (يو19: 30).

5- لقد تم صلب كثيرين قبل السيد المسيح، ولكن لم تحدث أية ظاهر غير طبيعية أو أمور خارقة للعادة. ولكن حين صلب السيد المسيح حدثت أمور غير طبيعية، وقد سجلها القديس متي الرسول فقال..وفي الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة. فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح. وإذ حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل والأرض تزلزلت والصخور تشققت (مت27: 45-54). فهل كل هذه الأمور كان يمكن أن تحدث لو كان المصلوب شخصاً غير مسيحنا له المجد؟!!!.

6- للآن نري الصليب يعلو الكنائس والهياكل ويعلقه الناس على صدورهم ويتقدم جنازات المسيحيين وهم يشيعونهم إلى ظلمة القبر كإعلان صريح صامت لقول القديس بولس الرسول لكن الآن قد قام المسيح من بين الأموات وصار باكورة الراقدين فإنه إذ الموت بإنسان وبإنسان أيضاً قيامة الأموات لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع (1كو15: 21)

7- وجود الصليب المقدس للآن عند بعض الطوائف المسيحية والتمسك ببقاياه دليل يؤكد وقوع صلب المسيح.

8- إن الذين اعتنقوا المسيحية من اليهود أهملوا أعيادهم التي أمرهم الرب بالاحتفال بها في العهد القديم وأخذوا يحتفلون بعيد القيامة المجيد.

9- لمصلحة من يكتب ويبشر التلاميذ والرسل بموت المسيح وقيامته إذا كان المسيح لم يمت(*) ولم يقم؟!.

10- لو كان المسيح لم يمت ولم يصلب ورفع حياً فهذا أمر جدير بالإجلال، ولكن التلاميذ أقروا واعترفوا بما حدث، لأنهم شاهدوا بأعينهم وسمعوا بأذانهم، فهم أصدق وشهادتهم حق.

11- إن التلاميذ أقروا واعترفوا بأن السيد المسيح بعد القيامة ظهر لهم وأراهم يديه (مكان المسامير) وجنبه (مكان الحربة).

12- محاولة اليهودعلى مر الزمن والقرون ان يتبرأوا من دم المسيح هو اعتراف بأن السيد المسيح صلب بأيديهم ومات وقبر ثم قام من بين الأموات .

13- إن التاريخ حمل إلينا العديد من الكتب التي كتبها آباء الكنيسة في القرون الأولي عن موت المسيح وقيامته. ومن هؤلاء الآباء أغناطيوس وأوغسطينوس وبنتينوس وأكلمنضص وأوريجينوس…. وغيرهم.

14- لا توجد طائفة مسيحية في العالم كله تؤمن بأن المسيح لم يصلب أو صلب بدلاً منه. إنسان آخر!!.

15- تخصيص يوم الأحد بدلاً من السبت الذي كان يقدسه اليهود. والأحد هو اليوم الذي قام فيه السيد المسيح من بين الأموات.

16- يحدثنا التاريخ في سيرة ديونيسوس الآريوباغي أنه حين حدث كسوف في الشمس وقت صلب السيد المسيح كان ديونيسيوس يدرس في جامعة عين شمس في مصر علوم الفلك والهندسة والقانون والطب… إلخ. وهذا هو منهج منيتولى سلطان القاضي، وهو أن يكون ملماً بجميع العلوم. وحين حدث كسوف الشمس حدث تساؤل . فكانت الإجابة أن هناك احتمالاً من ثلاثة احتمالات:
1- أن يكون العالم أوشك على النهاية، وهذا الكسوف من إحدي الدلالات.
2- أن تكون كل قواعد علم الفلك خاطئة من أساسها.
3- أن يكون إله الكون متألماً.
وظلت هذا الواقعة في ذاكرة ديونيسيوس إلى أن بشره القديس بولس في أريوس باغوس متأكد من الاحتمال الثالث هو الأوقع والأصح، وهو أن إله الكون كان متألماً. لأن حادث الكسوف الذي حدث للشمس ليس لأمراً عادياً، بل هو فوق مقدور البشر وفوق القواعد والتحاليل العلمية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لمزيد من التفاصيل أنظر الفصل الخامس والعشرون الخاص بقضية موت السيد المسيح.

إنكار حادثة الصلب يعني تكذيب لأقوال السيد المسيح
لقد شهد السيد المسيح عن حادثة الصلب قبل وبعد إتمامها.
1- شهادة السيد المسيح قبل إتمام الصلب
ما بين السيد المسيح ويونان النبي:
لما طلب اليهود من السيد المسيح أن يريهم معجزة غير المعجزات الباهرة التي عملها أمامهم، قال لهم: جيل شرير فاسق يطلب ولا تعطي له إلا آية يونان النبي، لأنه كما كان يونان في بطــن الحــــــوت ثلاثة أيام وثلاث ليـــــــال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض (مت12: 38-40)، مشيراً بذلك إلى أنه سيموت ويدفن ويظل ثلاثة أيام وثلاث ليال في قبره، هذه المدة من الزمن.

ابن الإنسان يسلم ليصلب:
ولما أقبل عيد الفصح قال لتلاميذه تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح، وابن الإنسان يسلم ليصلب (مت26: 2). كما أشار إلى أن واحداً منهم سيسلمه لليهود لكي يصلبوه. فقال لهم ولكن هوذا يد الذي يسلمني ،هي معي على المائدة. وابن الإنسان ماض كما هو محتوم، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي يسلمه (لو22: 22).

يهزؤا به ويجلدوه ويصلبوه:
في كلمات واضحة وضوح الشمس يذكر القديس متي البشير: ولما ذهب يوماً مع تلاميذه إلى الجليل، قال لهم عن نفسه إن ابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى الأمم (أو بالحري الرومان)،لكي يهزؤا به ويجلدوه ويصلبوه. وفي اليوم الثالث يقوم (مت20: 17-19).

حبة الحنطة :
ولما شبه نفسه بحبة الحنطة قال لتلاميذه: الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت، فهي تبقي وحدها. ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير (يو12: 24)، قاصداً بذلك أنه على أساس موته الكفاري سيأتي بأشخاص كثيرين من العدم، أو بالحري من الموت الروحي والجسدي والأبدي،إلى الحياة السعيدة مع
الرب  روحياً وجسدياً وأبديا”

أنقضوا هذا الهيكل:
آثار اليهود ضد السيد المسيح وقالوا له (أية آية ترينا حتى تفعل هذا؟)
أجابهم انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه وكان السيد المسيح يتحدث عن هيكل جسده بوصفه هيكلاً لذاته (يو2: 18-21) وإقامة الهيكل تعني قيامته من الأموات.

بعد ما أعلن مجده:
(عندما نزل رب المجد من جبل الجليل بعد ما أعلن مجده لثلاثة من تلاميذه قال لهم: لا تعلموا أحداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات (1) ثم قال لهم أن ابن الإنسان سوف يتألم منهم (أي من اليهود) (مت17: 19-23).

العظمة الحقيقية:
تحدث رب المجد إلى تلاميذه عن العظمة الحقيقية فقال لهم من أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبداً. كما أن ابن الإنسان لم يأتي ليُخدم بل ليخدم. ويبذل نفسه فديه عن كثيرين (مت20: 27-28).

الخبز النازل من السماء والراعي الصالح:
تحدث السيد المسيح عن نفسه كالخبز النازل من السماء الذي يهب حياة أبدية لكل من يقبله ويؤمن به يسير حسب إنجيله ويتقرب لأسراره المقدسة، فقال عن سر التناول المقدس والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم (يو6: 51).
كما تحدث عن نفسه بوصفه الراعي الصالح فقال أما أنا فإني الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف (2) (يو10: 11-15).

ينبغي أولاً أن يتألم:
عندما تحدث رب المجد عن ملكوته قال لهم عن نفسه ولكن ينبغي أولاً لأن يتألم كثيراً ويرفض من هذا الجيل (لو17: 22).
ما بين السيد المسيح وبطرس الرسول:
عندما أدرك التلاميذ أن السيد المسيح هو المسيا وأنه سيملك على العالم إلى الآبد، كما أشارت التوراة في بعض آياتها (3)، وجال في خاطرهم أنه لن يموت مثل الناس، قال لهم إنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الشعب والكهنة والكتبة ويقتل، وفي اليوم الثالث يقوم. فأخذه بطرس (واحد من تلاميذه) وقال له حاشاك يارب!! لا يكون لك هذا. فالتفت المسيح نحوه وقال له اذهب عني يا شيطان (4). أنت معثرة لي. لأنك لا تهتم بما لله بما للناس”. وحينئذ قال لتلاميذه “إن أراد أحد أن يأتي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاصطلاح ((ابن الإنسان)) لقب من الألقاب التي ينفرد بها السيد المسيح، ولا يراد به أن المسيح ابن من أبناء أدم، بل يراد به، أنه كإنسان حقيقي بناسوته، هو الذي توافرت فيه صفات الإنسانية في كمالها الذي يريده الرب لها، الأمر الذي جعله رأسها الروحي، بل ونائبها ومخلصها أيضاً – ومن البديهي أن يكون الأمر كذلك، لأن المسيح ولد من عذراء دون خطيئة على الإطلاق، مغايراً في ذلك البشر جميعاً.

(2) المقصود بالخراف المؤمنين الحقيقيين، لأنهم يتميزون بالطاعة لله كما تتميز الخراف بالطاعة لراعيها.

(3) اقرأ مثلاً (مزمور72: 8، أشعياء2: 44، ميخا4: 7).

(4) لم يكن بطرس في ذاته شيطاناً، بل كان أداة في يده، ومن ثم كانت لغته مثل لغة الشيطان الملساء،التي يحاول بها إغراء الناس وإغواءهم.

ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه (1) (مثلي) ويتبعني”. (مت 16 :21 -24).

ينبغي أن يرفع ابن الانسان :
تحدث السيد المسيح عن الطريق إلى الحياة الأبدية فقال : “كما رفع موسي الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الانسان (على الصليب) لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.” (يو 3 : 14- 16).

مكر هيــــــــرودس:
ولما تحدث معهم على مكر هيرودس الملك (الذي كان يريد قتله)، قال عن نفسه “ينبغي أن أسير اليوم وغداً وما يليه، لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجا” عن أورشليم” (لو13 : 31- 34).

صــــاحب الكــــــــــرم :
عندما تحدث عن الكرامين الذين لم يعطوا الثمر لصاحب الكرم، قال المسيح عنه إنه أرسل في نهاية الأمر ابنه إليهم قائلاً في نفسه: إنهم يهابونه ويعطونه الثمر المطلوب. غير أن الكرامين لما رأوا الابن، قالوا فيما بينهم: هذا هو الوارث ،هلموا نقتله ونأخذ ميراثه. فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه (مت21: 33 -40)، مشيراً بالابن إلى شخصه كابن الإنسان الذي كان عتيداً وقتئذ أن يصلب، وبصاحب الكرم إلى الرب أبيه. وبالكرامين إلى رجال الدين من اليهود، لأن الرب قد أقامهم لكي يفعلوا خيراً، ولكنهم أبوا وتمردوا.

لأجــــل تكفــــيني :
ولما سكبت امرأة بعد ذلك طيباً غالياً عرفاناً منها بجميل أسداه إليها، قال لتلاميذه عنها “إنها إذ سكبت هذا الطيب على جسدي، إنما فعلت ذلك لأجل تكفيني” (مت26 :6- 12)، الأمر الذي يدل على أنه كان يعلم أنه سيموت، ثم يكفن ويدفن.
تعليق: إننا نثق تمام الثقة في هذه الشهادة التي دونها الوحي الإلهي على لسان رب المجد وبالإضافة إلى هذه الثقة المطلقة نقول لمن يعترضون لأجل الاعتراض وإننا إذا نظرنا إلى هذه الشهادات من الناحية العقلية يتضح صدقها بالكامل.
إن القادة والزعماء (كما نري في كل الأجيال)، يحاولون بشتي الوسائل أن يثبتوا الشجاعة والإقدام في نفــوس أتباعــهم. وحتى إذا كـــان هؤلاء القـــادة والزعمــــاء يعانـــون أقسي الآلام، فإنــــهم يخفون حالتهم
_____________
(1) “إنكار المؤمن لنفسه” يراد به عدم التباهي والافتخار بذاته، أو بما يقوم به من أعمال طيبة، و “حمل الصليب” يراد به الترحيب بالآلام حتى الموت في سبيل الامانة والشهادة للحق في العالم الحاضر.

الصحية عن اتعابهم لئلا يتسرب إلى هؤلاء اليأس والفشل. وإذا كان الأمر كذلك، وكان المسيح بعيدا ًكل البعد عن وسائل التمويه والتحايل التي يلجأ إليها الناس، فلا بد من التسليم بأنه كان يعلم علم اليقين أنه سيصلب. لأنه لولا ذلك لما مان خطر بباله أن يتحدث مع تلاميذه عن وجوب صلبه، إذ أن هذا الخبر حزن في نفوسهم وفت في عضدهم، وهم في أول الطريق معه (مت17 : 23).
كما أننا إذا أمعنا النظر في حديث المسيح عن صلبه، يتضح لنا أنه لا يرد بمعزل عن النصائح والتعاليم التي كان يوجهها لمعاصريه، بل يرد ممتزجاً بها كل الامتزاج،حتى أنه لا يمكن فصل هذا الحديث عنها دون الإخلال بمعناها. ومن ثم فإنه لا يكون كرقعة أرتقت بثوب، بل كالخيوط التي يتكون منها نسيج الثوب، أو بالحري لا يكون دخيلاً على أقوال المسيح، بل يكون من ذات أقواله.
أخيراً نقول إن تنبؤ المسيح عن صلبه أمر يتناسب كل التناسب مع حياته الطاهرة التي عاشها على الأرض، ومع مقاومته (وهو شخص أعزل) للشر المسيطر الذي كان يطفح وقتئذ من رجال الدين والسياسة معاً. لآن الشر يبغض الخير، والباطل يمقت الحق، لذلك فالمسيح بتنبئه عن صلبه لم يذكر لنا في الواقع شيئاً غريباً عما نتوقعه في العالم لشخص نظيره.

 

2- شهادة السيد المسيح بعد حادث الصلب
انظروا يدي ورجلي. إني أنا هو :
في اليوم الثالث للصلب كان تلاميذه (ماعدا واحداً منهم يدعي توما) مختبئين في غرفة، بعد أن أحكموا غلقها بسبب الخوف من اليهود. جاء المسيح إليهم والأبواب مغلقة، ووقف في الوسط وقال لهم: سلام لكم،فجزعوا ظانين أنهم رأوا روحاً. فقال لهم ما بالكم مضطربين، ولماذا تخطر أفكار قلوبكم؟ انظروا يدي ورجلي. إني أنا هو. وحينئذ قال هذا ، أراهم يديه ورجليه. وقال لهم هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم، أنه لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسي والأنبياء والمزامير. ثم قال لهم هكذا هو مكتوب، وهكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث. (لو24 :24 -46).

مع تلميذين من تلاميذه :
في اليوم الثالث للصلب قابل تلميذان من تلاميذ المسيح راجعين إلى وطنهما، وقد ملأ الحزن قلبهما صلبه. فظهر لهما المسيح وقال لهم أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء، أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده؟ (لو24: 13-27).

لقاء توما الشكاك:
عندما ألتقي السيد المسيح مع تلاميذه كان توما الرسول غير متواجد معهم . فظهر السيد المسيح مره أخري لهم وكان توما (الشكاك) معهم. فدخل السيد المسيح إليهم والأبواب والشبابيك مغلقة. ووقف وسطهم وقال لهم سلام لكم. ثم قال لتوما هات أصبعك إلى هنا وأبصر يدي (حيث أثر المسامير التي كان المسيح قد سمر بها)،وهات يدك وضعها في جنبي (حيث أثر الحربة التي كان قد طعن بها الصليب) ،ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً (يو20: 26-27).

الميــت الحـــــي:
دون لنا كاتب سفر الرؤيا قول رب المجد له لا تخف.. أنا الأول والآخر.. والحي وكنت ميتاً.. وها أنا حي.. إلى الأبدين (رؤ1: 18).
تعليق: كما أشرنا من قبل إننا نثق تمام الثقة في كل كلمة، بل وكل حرف فاه به رب المجد، بل نثق ونؤمن بكل نقطة دونت في الوحي الإلهي. ونضيف أيضاً أننا ثقتنا في شهادات رب المجد لحادث الصلب بعد إتمامه، إلا أننا سننظر إلى هذه الشهادات من الناحية العقلية حتى يتضح لمن يكابر أنها حتماً صادقة.
لو أن شخصاً آخر صلب عوضاً عن المسيح، لكان المسيح قد صرح لتلاميذه بذلك عند ظهوره لهم بعد موت هذا الشخص، لكي يعرفوا فشل اليهود في القبض عليه وعدم إصابته بأي أذي منهم. فإذا أضفنا إلى ذلك أن المسيح كان متواضعاً كل التواضع وصادقاً كل الصدق وبعيداً عن التفاخر كل البعد، اتضح لنا أن شهادته عن نفسه أنه قام بعد صلب اليهود إياه، لا يجوز الشك فيها.
إن المسيح لم يكتف بالشهادة الشفوية عن نفسه أنه هو الذي صلب، بل أيد شهادته هذه بالدليل القاطع على صدقها، إذ أظهر آثار المسامير في يديه وأثر الحربة في جنبه. وقد شاهد تلاميذه هذه الآثار بعيونهم ولمسوها بأيديهم. فضلاً عن ذلك فقد أثبت المسيح لهم من كتب الأنبياء والمزامير التي كانت بين أيديهم، أنه كان لابد أن يصلب كفارة عن البشرية – الأمر الذي يدل على أن صلبه حادثه حقيقية تؤيدها أدلة واقعية لا سبيل للشك فيها، كما تؤيدها أدلة إلهية كائنة في كتب الوحي السابقة لمجيئه إلى الأرض بمئات السنين.

شهادة التاريخ اليوناني:
(1) وهناك فيلسوف يوناني يدعي سلسوس ألف كتاباً ملئ بالاعتراضات والانتقادات على المسيحية وعلى صاحبها. قال ضمن ما كتب هازئاً بالمسيح: ((بأنه هو الإله المتجسد أنكره أحد تلاميذه وخانه آخر منهم وحكم عليه بالموت أخيراً وكان يدعوه في كتابه ((المصلوب)).

(2) وكان لوسيان الفيلسوف اليوناني أيضاً معاصراً لسلسوس وقد ولد عام 100م.وقد كان أكثرهم اضطلاعا وحرية في الرأي،هذا وضع كتاباً أسماه (دي مورتي بوكريني)ملأه بالسخرية والاستهزاء بالمسيحيين ومسيحهم، فقال ضمن ما قال عنهم: قد رفضوا الآلهة اليونانية وصاروا يعبدون سفسطياً مصلوباً ويعيشون بحسب شرائعه.

(3) من الثابت أنه قد حدث وقت صلب السيد المسيح ظلمة اكتنفت الأرض كلها. وكان بين الذين عاينوا هذه الظلمة ديونيسيوس الأريوباغي، من أشهر علماء أثينا، فقال (إما أن يكون خالق الطبيعة متألماً أو أن العالم أخذ يتمزق).

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات