٧ – تقلد سيفك أيها الجبار

(7) تقلد سيفك أيها الجبار
تصور بعض الكتاب المسلمين إن ما جاء (في مزمور3:45) أنه نبوة عن نبي الإسلام لأنه يقول3تَقَلَّدْ سَيْفَكَ عَلَى فَخْذِكَ أَيُّهَا الْجَبَّارُ، جَلاَلَكَ وَبَهَاءَكَ وقالوا إن محمداً (ص) هو الذي جاء بالسيف وخاض غمار القتال وغزا الغزوات الكثيرة وبناء عليه يكون محمد (ص) هو المشار إليه في هذا المزمور.

التعليق :
لو أن العالم لم يرى رجلاً حمل السيف وخاض غمار القتال إلا محمداً وحده لكان للكتاب المسلمين شبه العذر في تطبيق هذا النص عليه واتخاذه كنبوة عنه. أما وأن تاريخ العالم مشحون بذكر الحروب والمحاربين والقتال والمقاتلين منذ شب العالم عن طوقه، بل منذ الساعة التي سقط أدم وحواء في معصية ربهما وأخذت شهوة الخطية تشتعل في أجسام أولادهما ويمتد لهيبها فيحدث خراباً وقتالاً بين الأخ وأخيه وكان القتيل الأول هابيل والقاتل الأول قايين. وهكذا صارت الشهوات الجسدية مصدراً للحروب كما قال القديس يعقوب الرسول :
مِنْ أَيْنَ الْحُرُوبُ وَالْخُصُومَاتُ بَيْنَكُمْ؟ أَلَيْسَتْ مِنْ هُنَا: مِنْ لَذَّاتِكُمُ الْمُحَارِبَةِ فِي أَعْضَائِكُمْ؟ 2تَشْتَهُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ. تَقْتُلُونَ وَتَحْسِدُونَ وَلَسْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنَالُوا. تُخَاصِمُونَ وَتُحَارِبُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ، لأَنَّكُمْ لاَ تَطْلُبُونَ. 3تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ. (يعقوب1:4-3).
فالحرب طبع من طبائع الأنسان. وما الحرب التي تدمر البلدان وتهلك الإنسان إلا لسان اللهيب المشتعل المندلع من أتون الشهوات المحاربة في أعضائه، يبرز في كل زمان ومكان أبطالها الذين يعبرون عن ميول معاصريهم لسفك الدم وارواء غليل الشهوات. فما خلا عصر ولا بلد ممن حامل السيف كنبوخذ نصر وكورش والإسكندر وكسري وشارل مان ونابليون وغليون وهتلر الذين دوخوا العالم وغزوا الممالك.

بل وستجد من ألوف الأبطال في كل زمان من رجال السيف من يتشبث بهذه النبوة ويدعى كل منهم بقوة أنه المقصود بها.

أولا :
منطوق الآية لا يدل على أن الشخص المشار إليه في هذا المزمور شخص يحمل السيف الفولاذي. ولا السيف هنا معناه آلة القتال المادي الذي تسيل معه الدماء البشرية وتتطاير معه الرقاب، بل هو سيف مجازي معناه الجلال والبهاء كمنطوق الآية ذاتها : . 3تَقَلَّدْ سَيْفَكَ عَلَى فَخْذِكَ أَيُّهَا الْجَبَّارُ، جَلاَلَكَ وَبَهَاءَكَ
وتعالوا بنا نحذو حذو بعض مفسري القرآن الذي يعربون الآيات إعراباً نحوياً قبل تفسيرها فنقول ((تقلد)) فعل طلب والفاعل أنت ((سيفك)) مفعول به منصوب والكاف مضاف اليه. ((على فخدك)) جار ومجرور ومضاف اليه. ((أيها الجبار)) نداء وحرف تنبيه ومنادى ونعت. ((جلالك)) بدل من سيف منصوب. وبهاءك بدل من سيف منصوب.
ومعلوم لدى إخواننا المسلمين أن هذا البدل يدعى بدل كل من كل. وبدل كل من كل معناه إن البدل هو عين المبدول منه. فيكون الجلال والبهاء هو عين السيف.
إذاً فالسيف هنا ليس سيفاً مادياً بل هو سيف مجازي معناه الجلال والبهاء. وهذا ظاهر من نفس سياق الكلام والآية التالية لها وهي قوله : . 4وَبِجَلاَلِكَ اقْتَحِمِ. ارْكَبْ. مِنْ أَجْلِ الْحَقِّ وَالدَّعَةِ وَالْبِرِّ، فَتُرِيَكَ يَمِينُكَ مَخَاوِف فذكر السيف في الآية السابقة يشبه به الجلال، وجعل الاقتحام بالجلال ليبين عظمة هذا الشخص العجيب الذي كان مزمعاً أن يأتي لنصرة الحق الوداعة والبر، لا بسيوف بتارة ولا بمعدات هلاك وتدمير، إنما بجلاله وبهاءه. لأن قضية الحق لا يمكن أن تنتصر بالسيوف المادية، لأن الحق هو السلطة الأدبية التي هي النقيض مع القوة المادية ونحن الشرقيين ترانا نعيب على الدول المستعمرة ونعيرها لأنها تقول ((إن الحق مع القوة)). وذلك لأن الشرق مهبط الروحيات ويعلم أهله
إن الدعاة والبر والحق لا تشرب مع السيف في نبع واحد، لأن الدعاة معناها الأخذ باللطف والهدوء والأنس والرفق ودماثة الأخلاق ولين العريقة، كما وإن البر معناه الصلاح. أما السيف فيأخذ البار مع الأثيم ولا يستطيع السيف أن يغسل ذاته قائلاً أنا برئ من دم البار. وكذلك الحق لا يخرج إلى النصرة بالصياح والجلبة والكر والفر في ميادين القتال المادي.
كما يقول الإنجيل عن السيد المسيح : 15فَعَلِمَ يَسُوعُ وَانْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ. وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ جَمِيعًا. 16وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يُظْهِرُوهُ، 17لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: 18«هُوَذَا فَتَايَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِرُ الأُمَمَ بِالْحَقِّ. 19لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. 20قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ. 21وَعَلَى اسْمِهِ يَكُونُ رَجَاءُ الأُمَمِ». (متى15:12-21).
ثانياً :
بقية آيات المزمور التابعة لهذا النبوة لا يمكن انطباقها على نبي الإسلام وغيره من رجال الحرب ولا على أي بشري آخر، بل ولا يرضى المسلمون أنفسهم أن يوجهوها إلى نبيهم كما وإن القرآن أيضاً لم يعترف بها له ولا وجهها إليه. لأن الخطاب في هذه النبوة موجه إلى شخص إلهي كما يدل العدد 6 ، 7 من هذا الإصحاح قوله : 6كُرْسِيُّكَ يَا اَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. 7أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِك
فهل دعا محمد (ص) إلهاً ! كلا. بل قال عن نفسه إنه عبد ورسول. وهل خاطب المسلمون يوماً ما محمداً وهل يخاطبونه بآية النبوة هذه قائلين ((كرسيك يا الله إلى دهر الدهور ! وهل دعا محمد (ص) مسيحاً ! ومتى مسح ملكاً ! ومن الذي مسحه !
ربما يقول مكابر أن هذه الآية : 6كُرْسِيُّكَ يَا اَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُور جمله معترضة وجه فيها الخطاب للعزة الإلهية.
نقول له : إذا كان هذا الخطاب موجهاً إلى العزة الإلهية، كمن هو الإله الثاني الذي مسح الرب بدهن الابتهاج أكثر من رفقائه ! وهل لله رفقاً ! ومن هم رفقائه !. وها نحن نكرر النص مرة آخري ليتأمل الأخ المسلم

حتى يجيب على هذه الأسئلة : كُرْسِيُّكَ يَا اَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. 7أَحْبَبْتَ الْبِرِ
وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِك
ثالثاً :
في العدد الثامن من مزمور هذه النبوة يقول : مِنْ قُصُورِ الْعَاجِ سَرَّتْكَ الأَوْتَارُ فهل كان لمحمد (ص) قصور من العاج ! وهل كانت لديه أوتار موسيقية ترتل أمامه ! كلا، إن محمداً (ص) لم يسكن القصور ولا ذكر القرآن ولا الأحاديث ولا التاريخ أن محمداً كانت له قصور وإلا فليدلونا على آثارها في مكة أو المدينة.

(رابعاً :
وفي العدد التاسع من مزمور هذه النبوة يقول : 9بَنَاتُ مُلُوكٍ بَيْنَ حَظِيَّاتِكَ. جُعِلَتِ الْمَلِكَةُ عَنْ يَمِينِكَ بِذَهَبِ أُوفِيرٍ ، فهل كانت بنات الملوك بين حظيات محمد (ص) ! ومن هم الملوك الذين أعطوا محمداً بناتهم ليكونوا حظيات له ! وممن زوجاته جلست ملكه عن يمينه بذهب أو فير وكانت بنات ملك كمنطوق النبوة !
خامساً :
وفي العدد 13 من مزمور هذه النبوة يقول : 13كُلُّهَا مَجْدٌ ابْنَةُ الْمَلِكِ فِي خِدْرِهَا. مَنْسُوجَةٌ بِذَهَبٍ مَلاَبِسُهَا فمن هي ابنة الملك التي كانت زوجة لمحمد (ص)، وكلها مجد في خضرها وملابسها منسوجة بذهب ! والمسلمون يعلمون انه لما غزا محمد (ص) بني قريظه واستأثر بأموالهم، فلما علمت نسائه بذلك سألته أن يوسع عليهم الكسوة والنفقة فكره ذلك ونزلت الآية

بهذا الخصوص : ((يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتان ترون الحياة الدنيا وزينتها الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً)) (سورة الأحزاب) وقد جاء في حديث البخاري الجزء الثالث ص 217 عن حذيقة قال : ((وإن النبي صلعم نهانا عن الحرير والديباج في أنية الذهب والفضة وقال هن لهم في الدنيا وهن لكم في الآخرة، وعن موسى بن اسماعيل، ونهانا عن خواتيم الذهب وعن الشرب في الفضة أو قال أنية الفضة وعن المياثر والقسى عن لبس الحرير والديباج والاستبرق.
والحقيقة التي لا شك فيها أن الكلام في هذه النبوة ظاهرة عن سليمان الملك وزواجه بابنه فرعون كما ورد في 1 مل ص 3 قوله : وصاهر سليمان فرعون ملك مصر وأخذ بنت فرعون وأتى بها
إلى مدينة داود إلى أن اكمل بناء بيته))

وقوله وَجَعَلَهَا سُلَيْمَانُ فِي بَيْتِ وَعْرِ لُبْنَانَ. 18وَعَمِلَ الْمَلِكُ كُرْسِيًّا عَظِيمًا مِنْ عَاجٍ وَغَشَّاهُ بِذَهَبٍ إِبْرِيزٍ. 19وَلِلْكُرْسِيِّ سِتُّ دَرَجَاتٍ. وَلِلْكُرْسِيِّ رَأْسٌ مُسْتَدِيرٌ مِنْ وَرَائِهِ، وَيَدَانِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ عَلَى مَكَانِ الْجُلُوسِ، وَأَسَدَانِ وَاقِفَانِ بِجَانِبِ الْيَدَيْنِ. 20وَاثْنَا عَشَرَ أَسَدًا وَاقِفَةً هُنَاكَ عَلَى الدَّرَجَاتِ السِّتِّ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ. لَمْ يُعْمَلْ مِثْلُهُ فِي جَمِيعِ الْمَمَالِكِ. 21وَجَمِيعُ آنِيَةِ شُرْبِ الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ مِنْ ذَهَبٍ، وَجَمِيعُ آنِيَةِ بَيْتِ وَعْرِ لُبْنَانَ مِنْ ذَهَبٍ خَالِصٍ، لاَ فِضَّةٍ، هِيَ لَمْ تُحْسَبْ شَيْئًا فِي أَيَّامِ سُلَيْمَانَ. 22لأَنَّهُ كَانَ لِلْمَلِكِ فِي الْبَحْرِ سُفُنُ تَرْشِيشَ مَعَ سُفُنِ حِيرَامَ. فَكَانَتْ سُفُنُ تَرْشِيشَ تَأْتِي مَرَّةً فِي كُلِّ ثَلاَثِ سَنَوَاتٍ. أَتَتْ سُفُنُ تَرْشِيشَ حَامِلَةً ذَهَبًا وَفِضَّةً وَعَاجًا وَقُرُودًا وَطَوَاوِيسَ. 23فَتَعَاظَمَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ عَلَى كُلِّ مُلُوكِ الأَرْضِ (1 مل ص 10 : 17 -23) فكان لسليمان السيف وسلطته، ولكنه لم يستخدمه في حرب ولا قتال بل بما أعطاه الرب من هيبة وجلال فسالمته الممالك ودانت له الشعوب.

قد يقول قائل : ((وكيف يجوز أن يوجه هذا الخطاب إلي الملك سليمان وهو ليس شخصاً إلهياً ! أجيبك أنا سليمان كان رمزاً حياً إلى المسيح في اتحاده بالكنيسة المعبر عنها في النبوة المذكورة بالملكة زوجة الملك، وفضلاً عن كون سليمان رمزاً حياً إلى المسيح فإنه كان جداً للمسيح، وكان يحمل في الأجداد الذين جاء منهم المسيح. فالكلام وإن كان موجهاً في الظاهر إلى سليمان إلا أن المراد به يسوع المسيح الذي كان مزمعاً أن يظهر من أصل هذه الشجرة، وهذا هو المجاز عينه فتقول : أكلت الطبق وتريد ما فيه من الطعام، وتقول شربت الكأس، وتعني ما تحويه الكأس من ماء. وتقف أمام الكرمة، وتقول هذا هو الخمر، وتقف أمام البيضة وتقول ها هي الفرخة باعتبار ما سيكون أو ما يخرج منه. وقد استعمل هذا النوع من المجاز في القرآن في قوله : ((أراني أعصر خمراً، والذي يعصر هو الزبيب الذي سيصير في المستقبل خمراً)).
الخلاصة :
إن المزمور المشار إليه خطاب للسيد المسيح، له المجد، وما ورد عن حكاية العذارى والخطيات وابنه الملك التي في خدرها وعلاقتهن بالمخاطب فهو إشارة إلى عروس المسيح الروحية التي هي الكنيسة (رؤيا2:21) اما الأعداء في قوله ((نبلك المسنونة في قلب أعداء الملك)) إنما هو إشارة إلى إبليس وجنوده والقوم الذين قاوموا السيد المسيح وإنجيله)) (رؤيا11:19-21).

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات