٢ – ملكوت السموات وملكوت محمد (صلعم)

(2) ملكوت السموات وملكوت محمد ((صلعم)) 
يتصور البعض خطأ أن ما جاء في الكتاب المقدس عن ملكوت السموات يقصد به ملكوت رسول الإسلام، كما جاء في عشرات الكتب. وها نحن ننقل عن أحدها ما نصه (ومملكة محمد عليه الصلاة والسلام هي مملكة الرب في الأرض المسماة في العهد الجديد بملكوت الرب  وبملكوت السموات وكان السيد المسيح وتلاميذه يبشرون الناس بمجيئها وأمر عليه السلام أن يطلبوا إتيانها من الرب تعالى في صلواتهم….).

والشيء المدهش أن نسمع هذه الأقوال التي لا تجد لها أدنى سند سواء في الإنجيل أو في القرآن. فالإنجيل يتحدث عن ملكوت السموات بأنه الملكوت الروحي للسيد المسيح، وقد سمى ملكوت السموات لأن مصدره سماوي وصفاته سماوية وسامية، ومؤسسه هو السيد المسيح الذي جاء من السماء (يوحنا17،13:3) وبدء هذا الملكوت هو الديانة المسيحية، ومفتاح هذا الملكوت هو الكرازة. وقد أعطى السيد المسيح هذا المفتاح لبطرس الرسول وللتلاميذ 19وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاوَاتِ». (متى19:16).
وهذا الملكوت يقول عنه السيد المسيح هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ (لو21:17). كذلك يقول السيد المسيح عن ملكوته 28اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ (متى28:16). فكيف يكون ملكوت الرب هو شريعة محمد (ص) ؟ كيف يكون هذا ؟.. هل عاش التلاميذ أو عاش أحد من البشر منذ أيام تجسد السيد المسيح ومولده وحتى مجيء رسول الإسلام وشريعته، مع العلم بأن هذه المدة هي ستة قرون ؟
إن الحديث عن ملكوت السموات ليس هذا مجاله، ولكن لزم التنويه عنه نظراً للتصورات الخاطئة التي يتصورها البعض. ونكتفي هنا بما أوردناه من شهادة الإنجيل، ولنر أيضاً ما يقوله القرآن في هذا الصدد، حيث نجده لا يقبل هذه الأفكار على الإطلاق، ويؤكد ذلك النصوص الواضحة والصريحة التي تؤكد أن ملكوت السموات هو ملكوت الرب وليس شريعة محمد (ص)، كقول بعض الكتاب لنقرأ في سورة التوبة والمائدة وآل عمران والشورى ((إن لله ملك السموات والأرض)) ولنقرأ في سورتي المائدة والبقرة قوله ((ألم تعلم أن لله ملك السموات والأرض)). وفي سورة الزمر والحديد والأعراف والفرقان والبروج قوله ((الذي له ملك السموات والأرض)) وفي سورة الزخزف((تبارك الله الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما)) وفي سورة ص قوله ((أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما))…
كذلك فقد جاء في القرآن كلمة الملكوت ثلاث مرات وجميعها لا تحمل المعنى المشار اليه في مؤلفات الكتاب المحدثين. وهذه المرات الثلاث هي : سورة المؤمنين ((قل من بيده ملكوت كل شيء))…. سورة يس((فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء))… وفي سورة الأنعام قوله ((وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السموات))…
ومن يقرأ تفاسير الإمام البيضاوي والفخر الرازي يجدها لا تقر بهذا الرأي. فالإمام البيضاوي يقول في تفسيره (لنرى ابراهيم ملكوت السموات) يقول : إن معناه نبصره دلائل الربوبية (ملكوت السموات والأرض) ربوبيتها وملكها ومثل عجائبها وبدائعها وملكوت أعظم الملك والتاء فيه للمبالغة (بيضاوي جزء 2 ص 194 ، 195).
أما الفخر الرازي فيقول نريه ملكوت السموات والأرض وهنا دقيقة علمية وهي أن نور جلال الله تعالى لائح غير منقطع ولا زائل البتة. فالأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار لأجل حجاب. فبقدر ما يزول الحجاب لا جرم تجلى له ملكوت السموات. إن الرب أراه الملكوت بالعين قالوا : إن الرب تعالى شق له السموات حتى رأى العرش والكرسي وإلى حيث ينتهي إليه فوقية العالم الجسماني. ورأى ما في السموات من العجائب والبدائع. إن ملكوت الرب عبارة عن ملك المساء والملك عبارة عن القدرة. وقدرة الرب لا ترى إنما تعرف بالفعل.
والآن وقد أوضح أئمة المسلمين أن ملكوت السموات هو الأمجاد السماوية التي لا تراها العين ولا تخطر على قلب البشر إلا إذا كشف لهم الرب عن ذلك، فليس هناك أي إشارة تقول إن ملكوت السموات هو شريعة محمد (ص) وإلا كان أئمة المسلمين أول المسرعين بإعلان هذا المعنى في تفاسيرهم.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات