١٣ – العاقر التي لم تلد

(13) العاقر التي لم تلد
ظن بعض الإخوة المسلمين أن ما ورد في الإصحاح 54 من نبوة إشعياء نبوة عن نبي الإسلام
ومكة وذلك في قوله : «تَرَنَّمِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ. أَشِيدِي بِالتَّرَنُّمِ أَيَّتُهَا الَّتِي لَمْ تَمْخَضْ، لأَنَّ بَنِي الْمُسْتَوْحِشَةِ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي ذَاتِ الْبَعْلِ، قَالَ الرَّبُّ (عدد1) فقال بعض الكتاب ((أن المراد بالعاقر مكة لأنه لم يظهر منها نبي بعد إسماعيل ولم ينزل فيها وحي بخلاف أورشليم، وبنو المستوحشة إشارة إلى أولاد هاجر لأنها كانت بمنزلة المطلقة)). وقالوا عما ورد في عدد 16 قوله: 16هأَنَذَا قَدْ خَلَقْتُ الْحَدَّادَ الَّذِي يَنْفُخُ الْفَحْمَ فِي النَّارِ وَيُخْرِجُ آلَةً لِعَمَلِهِ، وَأَنَا خَلَقْتُ الْمُهْلِكَ لِيَخْرِبَ بأنه يشير إلي محمد (ص) القتول الذي خلق لإهلاك المشركين.

التعليق :
لو كان المراد بالعاقر مكة التي لم يظهر منها نبي ولا نزل فيها وحي، وأنها تشير إلى ما تلده بكثرة من الأنبياء، فلماذا لم تلد غير نبي الإسلام ! والوعد في هذه النبوة أن يكون بنو المستوحشة أكثر من بني ذات البعل.
إن هذه النبوة لا تنطبق على مكة ولا على أهلها لأن الكلام فيها عن بلد أو جماعة كانت قريبة إلى الرب فابتعدت كزوجة مهجورة من زوجها لحظة فعاد إليها. وإليكم الآيات الواردة أعداد 4 ، 6 ، 7 : 4لاَ تَخَافِي لأَنَّكِ لاَ تَخْزَيْنَ، وَلاَ تَخْجَلِي لأَنَّكِ لاَ تَسْتَحِينَ. فَإِنَّكِ تَنْسَيْنَ خِزْيَ صَبَاكِ، وَعَارُ تَرَمُّلِكِ لاَ تَذْكُرِينَهُ بَعْدُ (عدد 4). . 6لأَنَّهُ كَامْرَأَةٍ مَهْجُورَةٍ وَمَحْزُونَةِ الرُّوحِ دَعَاكِ الرَّبُّ، وَكَزَوْجَةِ الصِّبَا إِذَا رُذِلَتْ، قَالَ إِلهُكِ. 7لُحَيْظَةً تَرَكْتُكِ، وَبِمَرَاحِمَ عَظِيمَةٍ سَأَجْمَعُكِ. فمتى كانت مكة في السابق زوجة لله وقريبة منه (المعنى مجازي طبعاً) فهجرت حتى عاد فرحمها ! فإن تمسك القائلين بهذا الادعاء حيث قالوا إن المراد بالعاقر مكة لأنه لم يظهر منها نبي بعد إسماعيل، فنقول لها أولاً إن إسماعيل لم يكن نبياً وإلا فليرونا ما هي النبوة وأين كتابة الذى جاء به أو نزل عليه ! وثانياً إن إسماعيل لم يظهر في مكة ولم ينشأ فيها.

ومما يدل على تخبط أصحاب هذا الكلام أنهم يقولون بأن الحداد الوارد في هذه النبوة عدد 16 هو محمد القتول الذي خلق لإهلاك المشركين. وفاته أن آلات هذا الحداد قيل عنها في نفس الإصحاح في عدد 17«كُلُّ آلَةٍ صُوِّرَتْ ضِدَّكِ لاَ تَنْجَحُ . فهل يرضى المسلمون أن تكون هذه النبوة عن محمد (ص) وبذلك تشهد بعدم نجاحه وفشله.
إن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن هذه النبوة جاءت حين كان اليهود في السبي البابلي. ذلك السبي الذي قلل عدده وعطل عبادتهم وأذل نفوسهم فلم ينمو جسدياً ولا روحياً كالعاقر التي لا تلد وكالمهجورة من عريسها، لأن الرب سمح بسبيهم غضباً عليهم لكثرة خطاياهم. وهذا الغضب سبب لهم حزناً وآلاماً وصفة المرنم في (مزمور 1:137-4) فقال : 1عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ. 2عَلَى الصَّفْصَافِ فِي وَسَطِهَا عَلَّقْنَا أَعْوَادَنَا. 3لأَنَّهُ هُنَاكَ سَأَلَنَا الَّذِينَ سَبَوْنَا كَلاَمَ تَرْنِيمَةٍ، وَمُعَذِّبُونَا سَأَلُونَا فَرَحًا قَائِلِينَ: «رَنِّمُوا لَنَا مِنْ تَرْنِيمَاتِ صِهْيَوْنَ4كَيْفَ نُرَنِّمُ تَرْنِيمَةَ الرَّبِّ فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ؟ ».

ولما عاد إليهم بالمراحم أسمع ماذا يقول المرنم في مزمور 126 : 1-3 عندما َرَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ صِهْيَوْنَ، صِرْنَا مِثْلَ الْحَالِمِينَ. 2حِينَئِذٍ امْتَلأَتْ أَفْوَاهُنَا ضِحْكًا، وَأَلْسِنَتُنَا تَرَنُّمًا. حِينَئِذٍ قَالُوا بَيْنَ الأُمَمِ: «إِنَّ الرَّبَّ قَدْ عَظَّمَ الْعَمَلَ مَعَ هؤُلاَءِ». 3عَظَّمَ الرَّبُّ الْعَمَلَ مَعَنَا، وَصِرْنَا فَرِحِين
فأورشليم هي الكنيسة القديمة والحديثة التي اتسعت وامتدت إلى اليمين وإلى اليسار وورث نسلها، الذى هو يسوع المسيح، أمماً وعمر مدناً خربة وأقام مدنيات العالم بنور إنجيله الذي ما دخل إلى مدينة أو مملكة إلا وصير منها عمراناً وتقدماً ونجاحاً)).

وقد شبه الرب كثيراً جماعة المؤمنين بعروس له، كما ترى في إشعياء ص 5:62 قوله : 5لأَنَّهُ كَمَا يَتَزَوَّجُ الشَّابُّ عَذْرَاءَ، يَتَزَوَّجُكِ بَنُوكِ. وَكَفَرَحِ الْعَرِيسِ بِالْعَرُوسِ يَفْرَحُ بِكِ إِلهُكِ.. كما رود في سفر الرؤيا 3،2:21 قوله : . 2وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. 3وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً:«هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ.
وأما وعد الرب بنمو الكنيسة فقد تم في عهد المسيح عندما آمنت به جميع أمم الأرض فكان هو المقول عنه في هذه النبوة ((ويرث نسلك أمماً)) عدد 3. وهذه النبوة هي عين البركة التي بوركت بها رفقة من والديها واخوتها عند زفافها لإسحق، حيث قالوا لها : . صِيرِي أُلُوفَ رِبْوَاتٍ، وَلْيَرِثْ نَسْلُكِ بَابَ مُبْغِضِيهِ». (تكوين60:24).
وقد قطع بولس الرسول كل تخمين في هذا الموضوع فقال : 16وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لاَ يَقُولُ:«وَفِي الأَنْسَالِ» كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ:«وَفِي نَسْلِكَ» الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ (غلاطية16:3) وفي الأصحاح الرابع من الرسالة عينها يقول : 22فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ كَانَ لإِبْرَاهِيمَ ابْنَانِ، وَاحِدٌ مِنَ الْجَارِيَةِ وَالآخَرُ مِنَ الْحُرَّةِ. 23لكِنَّ الَّذِي مِنَ الْجَارِيَةِ وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ، وَأَمَّا الَّذِي مِنَ الْحُرَّةِ فَبِالْمَوْعِدِ. وكل ذلك رمز لأن هذين هما العهدان، أحدهما من جيل سينا الوالد للعبودية الذى هو هاجر جيل سيناء في العربية ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعدة مع بنيها وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعاً فهي حرة لأنه مكتوب :«افْرَحِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ. اِهْتِفِي وَاصْرُخِي أَيَّتُهَا الَّتِي لَمْ تَتَمَخَّضْ، فَإِنَّ أَوْلاَدَ الْمُوحِشَةِ أَكْثَرُ مِنَ الَّتِي لَهَا زَوْجٌ» (غلاطية22:4-27)

فهل بعد هذا يصح أن يقول أحد إن هذه النبوة عن نبي الإسلام بعد أن طبقها الكتاب المقدس ؟ أن انهم يملكون حق تفسير الكتاب أكثر من الكتاب نفسه ؟ فالعهد القديم يتنبأ والعهد الجديد الذى هو الإنجيل قد طبق النبوة على السيد المسيح.

الخلاصة : إن لهذه النبوة معنيان:
المعنى الحرفي :هو أن بني إسرائيل سيعتقون من أسر بابل ويردون إلى أورشليم، وقد تمت هذه النبوة بالمعنى الحرفي المذكور في أيام كورش ملك فارس سنة 536 قبل الميلاد.
المعنى الروحي : شرحه القديس بولس الرسول في رسالته إلى غلاطية عند رجوع الأمم عن
عبادة الأصنام وقبولهم إنجيل المسيح. ومن غريب الاتفاق أن القديس بولس يقرر في هذا الأصحاح عدم أفضلية بني هاجر على بني سارة الروحيين، عدا حرمانهم من الميراث.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات