٧ – معمودية الكبار ومعمودية الصغار

سر المعمودية هو باب الأسرار وبه تتم الولادة الثانية، وتجديد الطبيعة، وغفران الخطية الجدية المتوارثة من آدم، والخطايا الفعلية السابقة للمعمودية، وإعداد الجسد ليكون هيكلا لله وروح الرب ليسكن فيه بسر الميرون.
والمتقدمون للمعمودية إما أن يكونوا كبارا بالغين، أو أطفالا صغار السن.

(1) معمودية الكبار:
يشترط في معمودية الكبار البالغين أربعة شروط، وضحها المتنيح حبيب جرجس بقوله:
[الواجبات المطلوبة من المعتمدين هي:
أولا: الإيمان: الإيمان بالرب يسوع (مر16: 16).
ثانيا: الاعتراف: الاعتراف بهذا الإيمان علنا” وصريحا”.
ثالثا: التوبة: التوبة حسب قول بطرس الرسول “توبوا وليعتمد
كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا” (أع2: 38)
رابعا: جحد الشيطان: بما أن ابن الرب أظهر لينقض أعمال إبليس، لذلك يجب على المعتمد قبل كل شيء أن يجحد الشيطان ويرفض أعماله] (كتاب أسرار الكنيسة السبعة صفحة 56)

(2) معمودية الصغار:
بخصوص معمودية الأطفال فإنهم يعمدون على إيمان والديهم. ولكن يلزم أن يتابعوا بالتعليم حتى سن النضج، ليعيشوا في حياة الإيمان والتوبة. هكذا جاء في كتاب الأنوار في الأسرار للقس جراسيموس السرياني:
[إن المطلوب من المعتمدين حين يبلغوا سن الرشد هو الإيمان والتوبة]

ولهذا قال القديس كيرلس الأورشليمي:
[كما أن القلم أو الرمح لا منفعة له بدون من يستعمله، كذلك نعمة العماد، تظل عاطلة منتظرة إيمان الإنسان] (مجلة مرقس نوفمبر 1969)

من هنا جاءت أهمية متابعة الأطفال المعمدين حتى يبلغوا سن النضج. هذه المتابعة كانت تتم بطريقتين:

(1) الأشابين:
وهم الذين يتعهدون الأطفال بالتعليم والتربية الروحية ويقودنهم إلى حياة النعمة والتوبة والإيمان، وفي ذلك قال المتنيح حبيب جرجس:
[لما كان الأطفال لا يدركون ماهية الإيمان ولا يستطيعون إعلان إيمانهم، ولا يفقهون معنى المعمودية، ولا يمكن تلمذتهم، فلذلك رأت الكنيسة منذ القديم أن تعمدهم على إيمان والديهم، وتتعهد أشابينهم الذين يتكفلون بتربيتهم التربية المسيحية وتعليمهم حقائق الإيمان، ويتعهدون بذلك أمام الكنيسة] (أسرار الكنيسة السبعة ص57و58)

ولقد مارست الكنيسة تقليدا” رائعا” دام فيها حتى القرن الرابع عشر بشهادة مخطوطة لأحد علماء الكنيسة في ذلك القرن ويدعى يوحنا ابن أبي زكريا ابن سباع واسم المخطوطة (الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة). ومضمون هذا التقليد أن يحضر الإشبين الشخص الذي تعهده منذ الطفولية وكان ابنه الروحي، ويوقفه أمام الهيكل في الكنيسة عندما يبلغ سن الوعي والإدراك، ليعطي تقريرا عن متابعته له، وليعلن هذا الشخص جحده للشيطان إيمانه بالمسيح، أمام الكنيسة، فجاء فيها ما يلي:

[وعلى الإشبين بعد المعمودية تعهد ابنه الروحي … وافتقاده في كل وقت، وتعليمه الكتب، وملاحظته بعين الرعاية الأبوية الروحانية حتى يكبر سنه. وإذا كبر وأدرك، ونضج عقله، يوقفه على باب الهيكل الموضع الذي استلمه منه عندما كان طفلا، ويقول له:

اعلم يا ولدي أنك لما كنت طفلا كنت عبدا للشيطان، وأراد والداك عتقك منه بالمعمودية المقدسة، وسألا مسكنتي أن أضمنك من كاهن الكنيسة، وأجحد عنك الشيطان الذي كنت أنت من أجناده قبل المعمودية، وقد جحدت عنك الشيطان واعترفت عنك بالمسيح له المجد، وقد أكلت من جسد المسيح وشربت من دمه وصرت هيكلا للروح القدس.
وأنت الآن قائم أمام هيكل الرب، الموضع الذي تسلمتك منه. فاعلم أن من جحد وآمن بالمسيح، وجب عليه ترك العظمة والبغض والحقد … لأن هذه كلها أعمال الشيطان التي جحدتها عنك وأنت طفل.

وأنت قد آمنت بالمسيح، ومن آمن بالمسيح وجب عليه الحب، والاتضاع والطهارة التي لا يعاين أحد الرب إلا بها.

ومن هنا تسلمتك، وهنا أسلمك لنفسك، ولا يعود الرب يطالبني بشيء من جهتك، لأنك قد عرفت عقلك، وعلمت الجيد من الرديء.
وسلام المسيح يثبت قلبك في الإيمان المستقيم إلى النفس الأخير آمين] (مخطوطة الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة)

وقد أكد المتنيح حبيب جرجس هذا الطقس بقوله:
[هذا الطقس لايزال جاريا في جميع الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية. فقد جاء في الصلاة العامة للكنيسة الأسقفية: … ينبغي أن هذا الطفل يعمد على يدكم (أيها الأشابين) معشر كفلائه إلى أن يبلغ، فيتعين عليه وفاء ذلك بأن يرفض الشيطان، وجميع أعماله، ويؤمن بكلمة الرب المقدسة راسخا، ويحافظ على وصاياه مطيعا] (كتاب أسرار الكنيسة السبعة ص57)
(2) فصول الموعوظين:
هذه الفصول كانت تشتمل على ثلاث فئات كما هو واضح من كتاب القديس كيرلس الأورشليمي:
[أما عناصر الموعوظين فثلاث:
1ـ موعوظون من أصل يهودي.
2ـ موعوظون من أصل وثني.
3ـ موعوظون هم أطفال المسيحيين المؤمنين] (كتاب كيرلس الأورشليمي ص21)

وجاء في ذات الكتاب عن الأطفال أيضا ما يلي:
[إن أطفال المؤمنين إذ ينالون المعمودية في الطفولة ينضمون إلى صفوف الموعوظين حالما يستطيعون التعلم] (كتاب كيرلس الأورشليمي ص22)

وهكذا حرصت الكنيسة أنه من خلال الأشابين وفصول الموعوظين أن يتأهل الأطفال عند سن النضج أن يدركوا مفهوم الإيمان ويقدموا توبة واعية. ولعله من هنا جاءت فكرة مدارس التربية الكنسية للأطفال التي أسسها المتنيح الأرشيذياكون حبيب جرجس.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات