٣ – قطع العهود

الواقع إن التعهد الذي يقدمه البروتستانت والإقرار الذي في إنجيل الجدعونيين هو مرفوض تماما بحسب نظرة كنيستنا الأرثوذكسية، لأنه لا يعتمد على عهد المعمودية بل يعتمد على قبول المسيح كوسيلة الخلاص الوحيدة دون إتمام سر المعمودية. وهذا يختلف عن تعهد التوبة بحسب مفهوم كنيستنا القبطية الأرثوذكسية الذي يعتبر تذكر لتعهد سر المعمودية ومقدمة للدخول في الشركة المقدسة بسر التناول، ولا يحمل في ذاته صكا بالغفران أو ضمان الملكوت كما تزعم الطوائف الأخرى.

وعن العهود في المفهوم الأرثوذكسي، قال قداسة البابا شنوده الثالث:
[الإنسان الروحي يلتزم بعهوده للرب، فهل أنت قد وفيت بكل عهودك؟ أول عهد كان بينك وبين الرب، هو عهدك في يوم معموديتك أن تجحد الشيطان وكل حيله وشروره وكل جنوده وكل أعماله الرديئة. فهل أنت ما زلت ملتزما بهذا العهد عمليا؟ وأنت في كل اعتراف وتوبة تتعهد أمام الرب أن تترك الخطية ولا تعود إليها. فهل التزمت بهذا؟ وأنت في كل يوم تناول، تتعهد تعهدات كثيرة. أتراك تذكرها؟ وهل تنفذها؟ أم لم تكن ملتزما؟ … هل أنت ملتزم بكل ما تعهدت به أمام الرب … ؟ … كم عيد رأس سنة مر عليك، ووقفت أمام الرب تعد وتتعهد … وكم مناسبة مقدسة وقفت فيها قدام الرب تتكلم. وكم من فترات روحية مرت بك في اشتعال القلب بالتوبة، وقلت للرب وعودا وعهودا، ولم تلتزم بشيء …] (معالم الطريق الروحي ص80و81)
ولمزيد من الشرح نقول، إن عهد التوبة المعتبر تجديد لعهد المعمودية، إنما ينبني على موقف التائب الذي يتخذ قرارا بكامل حريته بناء على الاقتناع الكامل، ليعيش مع الرب وفق وصاياه.
نذكر بعض تلك العهود والمواثيق من الكتاب المقدس، وأيضا من تراثنا الكنسي.

(1) عهد الشعب أيام عزرا:
“وأجاب شكنيا بن بحيئيل من بني عيلام وقال لعزرا إننا قد خنا إلهنا واتخذنا نساء غريبة من شعوب الأرض. ولكن الآن يوجد رجاء لإسرائيل في هذا. فلنقطع الآن عهدا مع إلهنا أن نخرج كل النساء … وليعمل حسب الشريعة” (عز 10: 2ـ4)

(2) ميثاق الشعب مكتوبا وموقعا عليه أيام نحميا:
في أيام نحميا أيضا قطع الشعب عهدا مع الرب ووقع عليه الرؤساء واللاويين والكهنة. “والآن يا إلهنا الإله العظيم الجبار والمخوف حافظ العهد والرحمة، لا تصغر لديك كل المشقات التي أصابتنا نحن وملوكنا ورؤساءنا وكهنتنا وأنبياءنا وآباءنا وكل الشعب … وأنت بار في كل ما أتى علينا لأنك عملت بالحق ونحن أذنبنا … ومن أجل كل ذلك نحن نقطع ميثاقا ونكتبه ورؤساؤنا ولاويونا وكهنتنا يختمون” (نح9: 32ـ38)
هذه بعض صور من التعهدات التي تقطع مع الرب أمام الشعب ويوقع عليها من الرؤساء واللاويين والكهنة.
ولنا في تراثنا الكنسي الكثير من التعهدات مع الرب أمام الشعب وأمام الكهنوت المقدس مثل:

(1) تعهد المتقدمين للمعمودية:
[أ] في حالة الكبار: إن تعهد الكبار يتمثل في طقس جحد الشيطان، عندما يقول: “أجحدك أيها الشيطان وكل أعمالك الشريرة …” وكذلك يظهر التعهد أيضا في إقرار الإيمان عندما يقول: “أعترف لك أيها المسيح إلهي …”
ومن أقوال المتنيح حبيب جرجس عن تعهدات الكبار في المعمودية:
[الواجبات المطلوبة من المعتمدين هي:
أولا: الإيمان: بالرب يسوع (مر16: 16).
ثانيا: الاعتراف: بهذا الإيمان علنا وصريحا.
ثالثا: التوبة: التوبة حسب قول بطرس الرسول “توبوا وليعتمد
كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا” (أع2: 38)
رابعا: جحد الشيطان: بما أن ابن الرب أظهر لينقض أعمال إبليس، لذلك يجب على المعتمد قبل كل شيء أن يجحد الشيطان ويرفض أعماله] (كتاب أسرار الكنيسة السبعة صفحة 56)

[ب] أما في حالة الأطفال: قال المتنيح حبيب جرجس عن وموقفهم من عهد المعمودية:
[لما كان الأطفال لا يدركون ماهية الإيمان ولا يستطيعون إعلان إيمانهم، ولا يفقهون معنى المعمودية، ولا يمكن تلمذتهم، فلذلك رأت الكنيسة منذ القديم أن تعمدهم على إيمان والديهم، وتتعهد أشابينهم الذين يتكفلون بتربيتهم التربية المسيحية وتعليمهم حقائق الإيمان، ويتعهدون بذلك أمام الكنيسة] (أسرار الكنيسة السبعة ص45و46)
ولهذا نجد في تقليد الكنيسة ضرورة تجديد عهد المعمودية عندما يكبر هؤلاء الأطفال، كما يتضح من التقليد الرائع الذي مارسته الكنيسة منذ نشأتها، والذي دام فيها حتى القرن الرابع عشر بشهادة مخطوطة لأحد علماء الكنيسة في ذلك القرن ويدعى يوحنا ابن أبي زكريا ابن سباع واسم المخطوطة (الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة). ومضمون هذا التقليد أن يحضر الإشبين الشخص الذي تعهده منذ الطفولية وكان ابنه الروحي، ويوقفه أمام الهيكل في الكنيسة عندما يبلغ سن الوعي والإدراك، ليعطي تقريرا عن متابعته له، وليعلن هذا الشخص جحده للشيطان وإيمانه بالمسيح، أمام الكنيسة، فجاء فيها ما يلي:
[وعلى الإشبين بعد المعمودية تعهد ابنه الروحي … وافتقاده في كل وقت، وتعليمه الكتب، وملاحظته بعين الرعاية الأبوية الروحانية حتى يكبر سنه. وإذا كبر وأدرك، ونضج عقله، يوقفه على باب الهيكل الموضع الذي استلمه منه عندما كان طفلا، ويقول له:
اعلم يا ولدي أنك لما كنت طفلا كنت عبدا للشيطان، وأراد والداك عتقك منه بالمعمودية المقدسة، وسألا مسكنتي أن أضمنك من كاهن الكنيسة، وأجحد عنك الشيطان الذي كنت أنت من أجناده قبل المعمودية، وقد جحدت عنك الشيطان واعترفت عنك بالمسيح له المجد، وقد أكلت من جسد المسيح وشربت من دمه وصرت هيكلا للروح القدس.
وأنت الآن قائم أمام هيكل الرب، الموضع الذي تسلمتك منه. فاعلم أن من جحد وآمن بالمسيح، وجب عليه ترك العظمة والبغض والحقد … لأن هذه كلها أعمال الشيطان التي جحدتها عنك وأنت طفل.
وأنت قد آمنت بالمسيح، ومن آمن بالمسيح وجب عليه الحب، والاتضاع والطهارة التي لا يعاين أحد الرب إلا بها.
ومن هنا تسلمتك، وهنا أسلمك لنفسك، ولا يعود الرب يطالبني بشيء من جهتك، لأنك قد عرفت عقلك، وعلمت الجيد من الرديء.
وسلام المسيح يثبت قلبك في الإيمان المستقيم إلى النفس الأخير آمين] (مخطوطة الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة)
هذا هو التعهد الذي يلتزم به المعمد، إذا كان كبيرا أو عندما يكبر.

(2) التوبة هي تجديد لعهد المعمودية. من أجل ذلك قال نيافة الأنبا موسى:
[التوبة بداية طريق، فلابد من نقطة تحول يسلم فيها الإنسان إرادته لله في خضوع كامل، ونية صادقة لإرضائه، وبعد ذلك التوبة فالتوبة حياة مستمرة، بمعنى أننا ما دمنا في جسد الخطية نحتاج إلى تجديد مستمر للعهود] (كتاب كيف نخدم الشباب ص74)
كما أن هناك صورا متعددة للتعهدات في كنيستنا القبطية الأرثوذكسية منها:

(1) تعهد المتقدم للرهبنة يوم رهبنته:
قرر المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في جلسة 5/6/1993، وجلسة 10/6/1995 التعهد الذي يتلوه المتقدم للرهبنة وقت رهبنته:
[أتعهد أمام الرب رب الرباب، وأمام ملائكته وقديسيه، وأمام المذبح المقدس وقديسي هذا الدير، وأمام أبينا قداسة البابا البطريرك الأنبا شنوده الثالث وأمام أبي … رئيس الدير، وأمام آبائي الكهنة والرهبان مجمع الدير، بأن أثبت على الإيمان الأرثوذكسي إلى النفس الأخير، وأن أحترم قوانين الكنيسة الجامعة الرسولية.
كما أتعهد بأن أسلك حسب قوانين الرهبنة … أتعهد بأن أعيش في حياة الطاعة … كما أتعهد بالمواظبة على القراءة الشخصية في الكتاب المقدس، والتأمل فيه، … والمواظبة على أسرار الإلهية… الرب يعطيني نعمة بصلواتكم جميعا حتى أسلك بأمانة، صلوا عني. ها ميطانية] (القرارات المجمعية ص24و26و80و81)

(2) تعهد الراهب عند سيامته كاهنا:

كما قرر المجمع المقدس أيضا صيغة تعهد الراهب عند سيامته كاهنا في جلسة 1/6/1996 [أنا الضعيف الراهب …. المدعو بنعمة الرب إلى رتبة الكهنوت الجليلة بدير …. رغم عدم استحقاقي.

أتعهد أمام الرب رب الأرباب، وأمام ملائكته وقديسيه، وأمام المذبح المقدس وقديسي هذا الدير، وأمام أبينا قداسة البابا البطريرك الأنبا شنوده الثالث وأمام أبي … رئيس الدير، وأمام آبائي الكهنة والرهبان مجمع الدير، بأن أثبت على الإيمان الأرثوذكسي إلى النفس الأخير، وأن أحترم قوانين الكنيسة المقدسة وأحافظ على تقاليدها وطقوسها وتعاليمها.
كما أتعهد بأن أضع صالح الكنيسة والدير فوق كل اعتبار … كما أتعهد بلا أسعى نحو الوظائف الكنسية … كما أتعهد بأن ألتزم بقرار المجمع المقدس …. صلوا عني يا آبائي وإخوتي القديسين. ها ميطانية لكم جميعا] (القرارات المجمعية ص26و82و83)

(3) تعهد الكاهن الجديد:
كذلك قرر المجمع المقدس صيغة تعهد الكاهن الجديد في جلسة 18/6/1994 م
[أنا الضعيف … المدعو لنعمة الكهنوت على المذبح المقدس في كنيسة … حي … بمدينة … أتعهد أمام الرب رب الأرباب وراعي الرعاة وأمام ملائكته وقديسيه، وأمام أبي قداسة البابا شنوده الثالث وأمام الإكليروس وكل الشعب بأن أثبت على الإيمان الأرثوذكسي إلى النفس الأخير، وأن أحترم قوانين الكنيسة المقدسة وأحافظ على تقاليدها وطقوسها وتعاليمها. وأبذل كل جهدي في تعليم الشعب بإيمان سليم، وقيادته في حياة القداسة والبر، وأكون أنا نفسي قدوة له في كل عمل صالح … وأطلب من الرب أن يهبني قوة بصلواتهم حتى أقوم بهذه المسئولية الخطيرة وأؤدي بأمانة كافة ما يتطلبه مني عمل الكهنوت الجليل. صلوا عني يا آبائي وإخوتي القديسين. ها ميطانية لكم جميعا] (القرارات المجمعية ص67و159و160)

(4) تعهد الأسقف العام:
وفي جلسة 18/6/1994 قرر المجمع المقدس صيغة تعهد الأسقف العام:
[أنا الضعيف غير المستحق المدعو بنعمة الرب لعمل الأسقفية الجليل. أتعهد أمام الرب  رب الأرباب وراعي الرعاة ورأس الكنيسة غير المنظور، وأمام مذبحه المقدس، وأمام أبي صاحب القداسة البابا شنوده الثالث وأمام آبائي المطارنة والأساقفة وباقي أعضاء المجمع المقدس وأمام الإكليروس وكل الشعب. بأن أثبت على الإيمان الأرثوذكسي إلى النفس الأخير وأن أحترم قوانين الكنيسة المقدسة …..
كما أتعهد بأن أنشر الكرازة بالإنجيل على قدر طاقتي. وأتعهد بأن أحافظ على تقاليد كنيستنا القبطية الأرثوذكسي وطقوسها وتعاليمها وأبذل كل جهدي في تعليم الشعب بإيمان سليم، وقيادته في حياة القداسة والبر، وأكون أنا نفسي قدوة له في كل عمل صالح …وأتعهد بأن أستمر في حياة الزهد التي نذرت لها نفسي وأن أجاهد في اكتساب الفضائل التي تليق بدرجة الأسقفية …
وأطلب من الرب أن يهبني قوة بصلواتهم
حتى أقوم بهذه المسئولية الخطيرة وأؤدي بأمانة كل ما يوكل إلي من أعمال. صلوا عني يا آبائي وإخوتي القديسين. ها ميطانية لكم جميعا] (القرارات المجمعية ص67و 155و156)

(5) تعهد أسقف الإيبارشية الجديد:
تقرر ذلك في جلسة 18/6/1994 [أنا الضعيف غير المستحق المدعو بنعمة الرب لعمل الأسقفية الجليل. أتعهد أمام الرب رب الأرباب وراعي الرعاة ورأس الكنيسة غير المنظور، وأمام مذبحه المقدس، وأمام أبي صاحب القداسة البابا شنوده الثالث وأمام آبائي المطارنة والأساقفة وباقي أعضاء المجمع المقدس وأمام الإكليروس وكل الشعب. بأن أثبت على الإيمان الأرثوذكسي إلى النفس الأخير وأن أحترم قوانين الكنيسة المقدسة …..
كما أتعهد بأن أنشر الكرازة بالإنجيل على قدر طاقتي. وأتعهد بأن أحافظ على تقاليد كنيستنا القبطية الأرثوذكسي وطقوسها وتعاليمها وأبذل كل جهدي في تعليم الشعب بإيمان سليم، وقيادته في حياة القداسة والبر، وأكون أنا نفسي قدوة له في كل عمل صالح … وأتعهد بأن أحب الرعية …وأتعهد بأن أستمر في حياة الزهد التي نذرت لها نفسي…
وأطلب من الرب أن يهبني قوة بصلواتهم حتى أقوم بهذه المسئولية الخطيرة وأرعى بكل حرص هذه الرعية التي من يدي سيطلب الرب دمها. صلوا عني يا آبائي وإخوتي القديسين. ها ميطانية لكم جميعا] (القرارات المجمعية ص67و157و158)

هذه بعض صيغ التعهدات الكنسية بحسب تقاليد كنيستنا الأرثوذكسية المرشدة بالروح القدس. أما التعهد الذي يقدمه البروتستانت والإقرار الذي في إنجيل الجدعونيين فهو مرفوض لأنه لا يعتمد على عهد المعمودية بل يعتمد على قبول المسيح كوسيلة الخلاص الوحيدة دون إتمام سر المعمودية. أما تعهد التوبة بحسب مفهوم كنيستنا القبطية الأرثوذكسية فهو تذكر للتعهد في سر المعمودية ومقدمة للدخول في الشركة المقدسة بسر التناول، ولا يحمل في ذاته صكا بالغفران أو ضمان الملكوت كما تزعم الطوائف الأخرى، كما سبق أن قلنا.
ويجب أن نشير إلى حقيقة هامة وهى أنه لا يصح التخلي عن مقدساتنا الأرثوذكسية بسبب أن آخرين يتممونها بصورة خاطئة، بل يجب أن نعمل الصواب ونصحح الأخطاء حتى نقدم للعالم تعاليم صحيحة تنقض الباطل وتفضحه.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات