١ – حرية الاختيار

لقد خلق الرب الإنسان عاقلا، وأعطى له مطلق الحرية في الاختيار. يتضح ذلك من الحقائق التالية:
(1) نقرأ في الكتاب المقدس أن الرب وضع في جنة عدن شجرتان: شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر. وأوصى آدم أنه إذا أكل من شجرة معرفة الخير والشر بإرادته سقط تحت حكم الموت، أي الانفصال عن الرب. وإن هو أكل من شجرة الحياة يحيا إلى الأبد.
وكلنا يعلم أن أبوينا الأولين اختارا أن يأكلا من شجرة معرفة الخير والشر، فجلبا على نفسيهما وعلى البشرية جمعاء حكم الموت الأبدي. وهكذا عبر القديس إغريغوريوس في القداس الإلهي قائلا: [خلقتني إنسانا كمحب للبشر، ولم تكن أنت محتاجا إلى عبوديتي بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك. من أجل تعطفاتك الجزيلة كونتني إذ لم أكن … غرس واحد نهيتني أن آكل منه، فأكلت بإرادتي وتركت عني ناموسك برأيي، وتكاسلت عن وصاياك، أنا اختطفت لي قضية الموت] (القداس الغريغوري)
يتضح من ذلك أن الإنسان هو الذي اختطف بإرادته قضية الموت لنفسه.

(2) وفي سفر التثنية يؤكد الرب حرية اختيار الإنسان بأن يعيش معه أو ينفصل عنه إذ قال: «اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ،  …   أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ (تثنية30: 15 ، 19)
واضح جدا ترك الرب الحرية للإنسان أن يختار مصيره.

(3) وفي سفر أشعياء يضع الرب الاختيار أيضا أمام الشعب قائلا: إِنْ شِئْتُمْ وَسَمِعْتُمْ تَأْكُلُونَ خَيْرَ الأَرْضِ. وَإِنْ أَبَيْتُمْ وَتَمَرَّدْتُمْ تُؤْكَلُونَ بِالسَّيْفِ». لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ. “ (أشعياء1: 19و20)

(4) ويشوع ابن نون يقف وقفة مصيرية مع الشعب عارضا عليهم أن يختاروا، قائلا:  وَإِنْ سَاءَ فِي أَعْيُنِكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا الرَّبَّ، فَاخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ  … وَأَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ “ (يشوع24: 15)

(5) وقد كتب قداسة البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث عن حرية إرادة الإنسان قائلا: [إن النعمة تساعد إرادة الإنسان دون أن تلغي إرادته … إرادتنا ما تزال قائمة، تقويها النعمة، وحريتنا كاملة، وتقرير مصائرنا هو في أيدينا … ] (كتاب النعمة ص 21)

(6) ويقول قداسته أيضا: [النعمة على الرغم من عملها في إنسان، تتركه لحريته. إنها تشجعه ولكن لا ترغمه. نعمة المعونة لا تلغي نعمة الحرية … لأنه لو فقد حريته، يفقد صورته الإلهية. ولا يستحق المكافأة، لأنه لم يفعل الخير بإرادته …] (كتاب النعمة ص19)

(7) ولهذا قال قداسته: [إن الرب يريدك أن تصل إليه بكل رضى قلبك. لذلك كان قبولك للرب، أمرا هاما في الحياة الروحية] (كتاب النعمة ص20)

(8) وفي هذا الخصوص قال نيافة الأنبا موسى أسقف عام الشباب: [خلق الرب الإنسان كائنا حر الإرادة، وأعطاه فرصة دائمة لاتخاذ القرار، دون إلغاء لمشيئته، بل في حرية كاملة … بل يريد أولاده أحرارا في قراراتهم، صادقين في اختياراتهم، جاءوا إلى شركته عن اقتناع دون ضغط أو إرغام، وسلموا إرادتهم في حب ورضى كامل] (كتاب كيف أتخذ قرارا ص4)

(9) وقال أيضا نيافته: [خلقنا الرب أحرارا وتركنا نختار طريقنا وطريقتنا في الحياة كما نريد، لأنه لا يحب أن يرانا دُمَيْ تافهة أو قطع شطرنج في جنته السعيدة، بل يريدنا أن نختار الحياة معه وله، عن قناعة وفرح ورضى] (كتاب كيف أتخذ قرارا ص19)

(10) وفي حديث نيافته عن أهمية الحوار مع الشباب ليختاروا ما يريدون قال: [الحوار المقود بالروح القدس كفيل بإقناع الشباب روحيا وفكريا لتتحرك إرادته نحو طاعة المسيح والاتحاد به عن اختيار حر فرح] (كتاب كيف نخدم الشباب ص20).

من كل هذه الشواهد نرى أن الإنسان حر الاختيار، فهو حر في أن يختار الحياة مع الرب أو مع الشيطان. يختار طريق الحياة أو طريق الموت، طريق البركة أو طريق اللعنة. ونتيجة لحرية الاختيار يتخذ الإنسان لنفسه قرارا بما يريده وصمم العزم عليه. وهذا ينقلنا للحديث عن اتخاذ القرار.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات